ومنها التعامل بالعقود والمحافظة فيها على الحدود، وذلك أن أحدهم لا يقضي عن صاحبه فيما يجب له من حق عليه، ومن اعتدى على آخر في نفس أو مال لم يمسك الآخر عنه، حتى يرافعه إلى سلطانه أو قاضي بلده، فأخذ على يده، وأنصف المظلوم من ظالمه، فصاروا لذلك يتبايعون ويتواهبون ويتكارون ويتعاقدون العقود المشروعة ويذرون الغصب والاختلاس والنهب في الأمر الأكثر، والأعم الأغلب، لمعرفتهم بما يلحقهم فيها من التبعات، ويؤديهم إليه عقباها من المثلات، ثم قد يتفق خلال ذلك من ذوي الجهالة والسفالة هنات وزلات يؤتون فيها من الاعتزاز بأنهم عسى لا يلحقون، ولا يقدر عليهم فيؤاخذون، فتجترئ على ذلك قلوبهم، وتقوى في الشر عزائمهم، وأما من غلب الخوف على قلبه وصار الاحتراز من همه، فما أقل ما تقع منه هذه الأمور، ولهذا صار الطريق المخوف إذا نقص بعضه، أمن الناس فيه مدة، ولم يعرض المكروه فيه إلا ندرة، فلولا الردع من الفساد هو ما يخشى من الإنكار الوحي لاستوت الأحوال وما ارتدع في كل وقت الجهال، ولولا أن ما وصفنا استعمال الناس له من الشرائع بعد انقراض عصري النبوة والخلافة، جاز في الأصل الذي ذكرت لهم استعمالهم أبواب الشريعة كلها دقيقها وجليلها، ولم يشذ عنهم منها إلا ما لم يبلغهم عنه خبر، ولم يأتهم ببيانه أثر، لأن من عمل من أمرين خوطب بهما أحدهما وترك الآخر مع تمكنه منه، واقتداره عليه، فقد أشعر أن عمله لما عمل لم يكن لمجرد الأمر لكن لداعية (سوء) دعته إليها، ولولا ذلك لما كان فعله ما فعل أولى به من فعل ما ترك، ولا تركه ما ترك أولى به من ترك ما فعل، وما ينبغي أن يكون هذا بكذا مع تجلي آيات الله - تعالى جده - لبصائر العقلاء ووجوب حقوقه في معارف العلماء، بل الأمر اللازم والفرض الواجب أن يجعل المؤمن أمانة الله أمامه، وطاعة الله منهاجه، فلا يفعل الخير إلا إعظامًا لأمره، ولا يدع الشر إلا إذعانًا لنهيه.
ولقد استقصر كثير من العلماء من يفعل الخير رغبة في الثواب، ويدع الشر خيفة من العقاب، وشبهوه بعبد السوء الذي لا يخدم مولاه إلا طمعًا في نعمته وتحرزًا وتخوفًا من سطوته، وبالحمار البليد الذي لا ينساق حيث يساق إلا بالضرب والإرهاق، وإن كانوا لا يختلفون في أن الرجاء والخوف قدما صدق ومنزلتا حق عند الله جل ثناؤه.
وإنما ذهبوا في ذلك إلى أن الله - تعالى جده - وإن كان أطمع وحذر ووعد وأوعد بأنه تبارك وتعالى لو أمر ونهى ولم يضمم إلى الأمر وعدًا ولا إلى