فهرس الكتاب

الصفحة 600 من 1140

وجواب آخر: وهو أن الابتداء من قوله {وَلَدَ اللَّهُ} إن كان لا يصلح بالإطلاق، ولا من قوله {وَبِالْلَّيْلِ} .

فلذلك الابتداء بحرف التعليل لا يصلح إذا كان لا يذكر بعده ما هو علة له.

فإن العرب لا تبتدئ فتقول لتكرمني حتى تقول قبله إنما جئتك أو تقول: ما جئتك أو شيئًا يشبه ذلك.

وقد صلح الابتداء بالقرآن بقوله عز وجل: {لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ} يعني أنه ليس كلام ينشئه الهادي من نفسه، وإنما هو كلام يؤديه عن ربه جل ثناؤه، فكذلك عامة ما أنكر السائل الابتداء منه بالقول فيه على هذا المعنى والله أعلم.

فإن قيل: ما أنكرت أن الابتداء من {لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ} يجعل قوله - عز وجل - {فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولِ} .

من طريق الإضمار، فيكون كأنه قال: وإنما جعلهم كذلك لائتلاف قريش.

قيل: أيتعذر أن يقال مثل هذا في الابتداء من {وَلَدَ اللَّهُ} فيقال: إن قولهم {مِّنْ إِفْكِهِمْ} يصير كالمعاد من طريق الإضمار، فيكون كأنه قال: وقولهم {مِّنْ إِفْكِهِمْ} هو هذا، ويجعل لمن في الإضمار معاد، مثل {وَبِالْلَّيْلِ} فيصير كله قبل، ويمرون بالليل بل هذا أبين، لأن الواو للعطف، فهو أن يشرك الليل مع النهار في المرور، وهذا إن كان الضمير محتاجًا إليه، ولا حاجة لأن القارئ يؤدي كلام ربه عز وجل، فلا ينقلب ذلك خير أمته عن نفسه بالا أن يرفض قراءة القرآن، ويظهر النية كما يقول: «بسم الله الرحمن الرحيم» عند افتتاح عمل.

«والحمد لله رب العالمين» عند الفراغ منه، لا يزيد بذلك القرآن، فلا يكون قارئًا والله أعلم.

فإن قال قائل: أجمعنا على أن تقطع الكلمات لا مستحب، فما أنكرت أن تقطيع الآيات كذلك؟

الجواب: أن النبي - صلى الله عليه وسلّم - كان يقطع قراءته آية آية، كما روت أم سلمة رضي الله عنها، ولم يكن يقطعها كلمة كلمة فبطل أن تكون الآيات كالكلمات.

وجواب آخر: هو أن تقطيع الكلمات يلبس ويذهب نسجها، وتقطيع الآيات يبين نظمها ويظهر حسنها وبهجتها فافترقا.

ألا ترى أن تقطيع البيت من الشعر كلمة كلمة يعمي نظم القصيدة ويذهب بهاه، وتقطيع القصيدة أبياتًا يظهر نظمه ويبدي حسنه وبهاه، فلذلك ما قلنا والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت