فهرس الكتاب

الصفحة 637 من 1140

فمن اقتدى بأهل مكة فقام بعشرين فذلك حسن.

ومن اقتدى بأهل المدينة وتشبه بهم في ازدياد الصلاة كان ما فاتهم من طواف أهل مكة فقام بست وثلاثين، فذلك أيضًا حسن لأنهم إنما أزادوا بما صنفوا الاقتداء بهم والاستكثار من الفعل لا المنافسة كما ظن بعض الناس.

ألا ترى أن يوم الفجر لما كان يوم طواف الزيارة للحجاج أقيم لغيرهم في عامة الأمصار الصلاة مقام الطواف، وجعل يوم عيد، يجتمعون فيه فرحين مستبشرين بما أذن الله تعالى فيه من زيارة نبيه وأسعد بها من وثق لقصده، فكما خلفت الصلاة الطواف يوم النحر، فكذلك تخلفه في قيام شهر رمضان.

ويستوي فيه الناس كلهم كما استوى فيه يوم النحر والله أعلم.

ومن اقتصر على عشرين ركعة وقرأ فيها بقراءة غيره في ست وثلاثين فذلك أفضل، لأن تطويل القيام أفضل من كثرة الركوع والسجود.

سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - عن فضل الصلاة فقال: «طول القنوت» .

فصل: ويحتمل القيام بعشرين ركعة أن يكون وجهه عامة سنن الليل والنهار سوى الوتر لما كانت عشر ركعات، كما ذكر ابن عمر رضي الله عنهما: ضعفت في شهر رمضان إذا كان الوقت وقت حدث وتسميد.

ويحتمل أن يكون ذلك مأخوذًا من أصل آخر، وهو أن أغلب صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - في غير رمضان من الليل إحدى عشرة ركعة أخرى وتر.

فرأوا أن يجعلوا هذا العدد أصلًا ثم يضعفونه في شهر رمضان، لأن النبي - صلى الله عليه وسلّم - سن قيامه فلما أراد القيام فيه غلظ بأن صار سنة، بعد أن كان في غيره تطوعًا غلظ عدد الركعات فيه بالتضعيف، فصارت عشرين بعد أن كانت في غير عشرًا.

فإن قال قائل: وأين كان الناس عن هذا في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - ومن الذي جعل إلى عمر أن يشرع في الدين، ويقدم ويؤخر ويبدل ويغير؟

قيل له: قد بينا أن النبي - صلى الله عليه وسلّم - هو الذي سن القيام في شهر رمضان وأنه خرج ثلاث ليال فصلى بهم جماعة، ثم ترك الخروج، لا لأنه لم ير الاجتماع لهذه الصلاة، ولكن رفقًا بأمته أن لا تكتب عليهم.

فكان هذا بمنزلة العذر يعرض فيحول دون السنة أو دون الفرض، ولم يأمر غيره بأن يصلي بهم، لأنه لو أمر لكان ذلك المأمور بمنزلته إذا كان إما يصلي خلفه بأمره، ولم ينصب الناس بأنفسهم إمامًا فيصلوا خلفه لأن الإمامة حق النبي - صلى الله عليه وسلّم - ، فلا ينصب أحد إمامًا وهو حاضر.

فكانوا يصلون في بيوتهم.

وكان أيام أبي بكر رضي الله عنه على هذه الجملة ولم يصل.

فلما كان زمن عمر رضي الله عنه رآهم أوزاعًا في المسجد يصلون، فكره ذلك لهم فدعاه علمه بأن هذه الصلاة تليق بها الجماعة، إذ كان النبي - صلى الله عليه وسلّم - صلاها بالناس جماعة، وإنما ترك الخروج لها لعذر، وقد زال ذلك العذر إلى أن يردها إلى حكم أصلها، فجمعهم على إمام واحد لئلا يتفرق المسلمون في مسجد واحد، فيصلون أوزاعًا بل يصلون مجتمعين كما يصلون المكتوبات مجتمعين.

وليس هذا شرع في الدين، ولكنه عمل بالاجتهاد في موضع الحاجة والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت