وقال عون بن عبد الله: إذا أعطيت المسكين، فقال: بارك الله فيك.
فقل: أنت بارك الله فيك.
فصل: وإذا أخرج الرجل للسائل الصدقة فوجده قد ذهب، فإن عمرو بن العاص رحمه الله كان يأمر بعزل المعطي الآخر.
وبه قال الحسن وإبراهيم وبكر بن عبد الله المزني ومحمد بن سيرين، وقال ابن عمر: إذا أرسلت إلى رجل بصدقة فردها عليك فهي من مالك وإذا لم تدركه فامضها على سبيلها، قال إبراهيم: لا ترجع في شيء جعلته لله، وهذا استحباب، فإن رده إلى مكانه أو أكله فلا بأس، لأنه في ملكه لم يقتضه المتصدق.
فصل: ومما يدخل في باب شكر نعمة المال أن لا يكتم الغني ماله ويوهم أنه فقير، لئلا يسأل.
قال الله عز وجل: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} .
وقال رجل: رآني رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - وأنا رث الثياب، فقال: «ألك من مال؟ قلت: نعم، من كل المال: من الخيل والإبل والغنم قال: فليس عليك أثر نعمة الله» .
ويلتحق بهذا أن المال إذا كان زرعًا أو كرمًا أو نخلًا، فلا ينبغي أن يحصد الزرع ليلًا، أو يجد الثمار ليلًا، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - نهى عن ذلك لما فيه من الرغبة عن المعروف، والاحتراز من أن يحضر المساكين فيأخذوا لقط الثمار.
والسنابل وما انتثر من الحبوب، أو يزدحموا فتجاوز عطيتهم العشر، وذلك مباين لأخلاق أهل الدين لأن الله - عز وجل - بعث نبينا محمد - صلى الله عليه وسلّم - بمكارم الأخلاق، وهذا ليس منا.
فأما إن كان لكتمان المال ولحق العشر فهو كفر، وقد قال الله عز وجل: {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلاَ يَسْتَثْنُونَ * فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ} .
إلى آخر القصة.
فأبان أنهم لما عزموا على حبس حقوق المساكين عوقبوا في الدنيا باحتياج المال.
وأن العذاب الذي هو لهم في الآخرة أكبر منه، فلا يحل لأحد أن يفعل ذلك، وإلا ضاق الذي أوجب الله تعالى لهم الحق، ولا فرق بين أن تقع منه هذه الجباية في هذه الصدقة، وبين أن تقع في سائر الصدقات وبالله التوفيق.