فهرس الكتاب

الصفحة 680 من 1140

وقد أبان الله - عز وجل - بقوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} أن الصوم من أسباب التقوى الذي هو خير زاد المؤمن، من تزوده بين دنياه لآخرته.

قال الله عز وجل: {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} .

سماه الله.

ويقول الله بالأسماء الخمسة التي ذكرتها: أحدها أنه جنة، والثاني أنه زكاة الجسد، والثالث أنه ضياء، والرابع أنه فرض مجزى والخامس أنه صبر.

وهذه الأسماء الخمسة إبانة لمنزلة الصيام من العبادات.

ثم أبان بقوله «صوموا تصحوا» أن فيه وقاء لعبادة منفعة أخرى، وهو أنه سبب لصحة البدن.

فأما أخبار الله - عز وجل - بأن فرض الصيام على المؤمنين ليتقوا، وهو نظير قوله - عز وجل - في الصلاة {إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنْكَرِ} .

لأن الانتهاء عن الفحشاء والمنكر هو التقوى.

وحقيقة التقوى فعل المأمورية والمندوب إليه.

فاجتناب المعنى فيه والمكره المنزه عنه، لأن المراد من التقوى وقاية العبد نفسه النار، وهو إنما يقي نفسه النار بما ذكرت.

فبان أنه التقوى والصلاة أحد شقيها كما وصفها به الكتاب، لأن من حب الله تعالى إليه الصلاة ووفقه لها، ودلل أعضاؤه وجوارحه بها، لم يكن منتهيًا عن الفحشاء والمنكر، وكذلك الصيام من تبعها، لأن الممتليء من الطعام والشراب رأس البواعث على الفواحش والمناكير، ولذلك قالت العرب في أمثالها التي شهدت العلماء بأنها حكم، وتلقوها عنهم ودونوها وجلدوها دبرت به البطنة، أي يملأ ويتبع.

فجملة ذلك على أن يغمض ويثبت بمثل هذا لمن حسنت حاله واستجمع أمره، فصار لذلك يشغل بطلب ما لا يعنيه، ويتعرض لما لا ينبغي له.

ومثلها في العادات أن الجائع أو العطشان لا يجد في نفسه من باقي الشهوات ما يجده منه المملي من الطعام والشراب، ولكن كل شهوة هاجت وتحركت في نفس واحد.

فإنما يهيج ويتحرك بعد سكون ثائرة الجوع والعطش، وحقيق أن يكون كذلك، فإن الحاجة إلى الطعام والشراب ضرورة لا قوام للأبدان إلا بهما، والحاجة إلى ما ورائهما من الشهوات زيادة ولا شك إذ ألهم بالزوائد إنما يحدث بعد تقضي الهم بالأصول والأركان.

وإذا كان كذلك فقد حصل من الصيام والتقوى إذا كان يجاب إلى الصيام من الجوع والعطش ما يخمد به شهواته فينقطع به ولا يأتي في فضلها ما لا يرضاه الله تعالى.

ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلّم -: «عليكم بالباءة، فمن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء» .

فأمر بالنكاح ليكثر المؤمنون وعباد المسلمين، ثم أمر من لا يقدر عليه للفقر وسوء الحال أن يصوم.

وأخبر أن صومه له وجاء.

أي يقطع شهوته، فلا ينادى بها وفي ذلك صحة ما وصفت وبالله التوفيق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت