وجاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يصرف أكف الذين يرفعونها عن الطعام في رجب حتى يأكلوا.
وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يقول: صوموا منه وأفطروا.
وجاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - قال عند دخول رجب: «اللهم بارك لنا في رجب وشعبان» ، وبلغنا رمضان.
فقد يحتمل أن يكون رجب بدلالة هذا الخبر، قرينة شعبان، فيستحب الصيام، ويكون صرفًا لأكف الذين كانوا يكرهون من شدة تعظيمهم هذا الشهر أن يفطروا فيه، فقد روي أنه كان فيهم من إذا أفطر فيه قضاه.
ونهاهم عن ذلك عبد الله بن عباس والله أعلم.
ومنها صيام المحرم، يروى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - قال لرجل: «إن كنت صائمًا بعد شهر رمضان، فصم المحرم، فإنه شهر الله» .
وفي رواية أخرى أنه سئل: أي الشهور أفضل بعد رمضان؟ فقال: «شهر الله الأصم المحرم» .
ومنها: صيام عاشوراء، وهو اليوم العاشر من المحرم.
وجاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم -: أن صيامه كفارة سنة، وجاء عنه - صلى الله عليه وسلّم - قال: «تكفر السنة التي قبلها» .
وعنه - صلى الله عليه وسلّم: «من وسع على عياله يوم عاشوراء، أوسع الله عليه سائر سنته» .
وقال سفيان بن عيينة: جربناه فوجدناه كذلك، ويستحب أن يصوم التاسع قبله.
قال الحكم بن أعرج: سألت ابن عباس عن صوم يوم عاشوراء، فقال: إذا رأيت هلال المحرم فأعد تسعًا ثم أصبح صائمًا، فقلت: أفعله رسول الله - صلى الله عليه وسلّم -؟ فقال: نعم.
وقد اختلف في صيام عاشوراء فقيل: إنه كان فرضًا، قبل أن تنزل فريضة رمضان فلما نزلت نسخت ما كان قبلها من الصيام.
وقيل: لم يكن فرضًا، وإنما كان صيام شكر صامه رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - لتخليص الله تعالى عبده موسى من فرعون فيه.
فصل: وقد ذهب بعض السلف إلى أن عاشوراء هو اليوم التاسع.
واحتج بالحديث الذي رويته عن ابن عباس وادعى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - قال: «إن سلمت لأصومن العاشر التاسع» .
وإن من أثبت الواو من العددين فقد غلط.
وأن معنى الحديث: لأصومن مكان العاشر التاسع.
والأمر عندنا بخلاف هذا، لأن الواو محفوظة في هذه الرواية عندنا، والغلط في حذفها أمكن منه في إثباتها.
وتأويلهم هو الغلط لأنه جاء الجمع بين التاسع والعاشر مفسرًا، وفي ذلك سقوط ما ظنوه.
ومعنى ما روي عن ابن عباس في قوله، فأصبح في تاسعة صائمًا أنابه أو بهذا الصيام، وأنه لا يتقرب إلى الله - عز وجل - بصيام يوم فرد كما يتقرب إليه بركعة من الصلاة.
فكما يستحب في الصدقات الأزواج، وجاء فيها من الأخبار ما قد عرف فكان من أداء ابن عباس الأمر بصيام التاسع لا الاقتصار عليه من العاشر والله أعلم.