فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 1140

وقد جاء أن رجلًا قال: «يا رسول الله! أيؤاخذ الله أحدًا بما عمل في الجاهلية؟ فقال: من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر» .

وقد مضى شرح معنى هذا الحديث فيما تقدم وفي هذا بيان أن ما قدره من أن الإيمان إلا ما ينتهي به عن أصل الكفر غير ثابت له، والله أعلم.

ويقال له: إن الكافر إذا أسلم لم تزدحم عليه العبادات كلها فور إسلامه.

فإن كان اعتقاد إقراره إيمانًا كافيًا في ذلك، فلأنه لا أمر متوجه عليه فيه.

وقد يؤمن الأخرس بالاعتقاد وحده لأن فرض الإقرار لا يتوجه عليه، ثم لا يدل ذلك على أن لسانه لو أطلق لم يلزمه الإقرار، ولم يكن منه إيمانًا.

فكذلك الجامع بين الاعتقاد والإقرار يكون مؤمنًا بهما، وذلك لا يدل على أن وقت الصلاة إذا دخل فصلى لم يكن ذلك منه إيمانًا والله أعلم.

قال الرجل: فإن احتجوا بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «الإيمان بضع وسبعون شعبة» قبل الاحتجاج بهذا الخير.

لأن في نفس الخبر ما يمنع من قبوله، وهو أنه قال: «الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة» ولا يحتمل أن يشك رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - في عدد شعب الإيمان.

فهو من الراوي، ولا يجوز إثبات دين الإسلام بخبر شك الراوي في متنه، وإن صح الخبر لم يكن لهم فيه حجة من وجوه:

أحدهما: أن الخبر سمى كل شيء شعبة الإيمان، وهم يسمون كل شيء منها إيمانًا، ويدعون على كتاب الله أنه جاء بتسمية الصلاة إيمانًا بزعمهم، ورسوله صيرها شعبة إيمان، فهو خلاف.

والله تعالى يقول: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ} .

فلا يجوز أن نخالف الرسول ولا نغير عليه.

قال: والخبر جعل شهادة الإخلاص شعبة من الإيمان، وجعل غيرها أحوالها، وهم جعلوا هذه الشهادة وغيرها أغيارًا لها.

والخبر جعل الإيمان اسمًا لبضع وسبعون، فلا يجوز تسمية الواحد من السبعين باسم الإيمان والصلاة واحدة من تلك الجملة، ولا يجوز أن يطلق عليها اسم الإيمان.

فبطل الاحتجاج بالخبر.

فيقال له: أن النبي - صلى الله عليه وسلّم - لا يشك في الشعب ولا يخفى عليه عددها، وما روى عنه - صلى الله عليه وسلّم - أحد أنه قال: «الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة» وإنما هذا يشكل من بعض الرواة، ولئن كان أحدهم شك، فقد روى غيره قطعًا من غير شك أنه قال: «الإيمان بضع وسبعون بابًا» وأكثر الروايات على هذا فلا يجوز تعطيلها والإعراض عنها لشك عرض لغيرهم وفيها، ولو أن رجلًا أقام شهودًا على رجل بمال.

فقال أحدهم: له عليه ألفان أو ألف درهم، وقطع الآخرون بأخذ العددين لم ترد شهادة القاطعين لشك الذي شك من بينهم، فلم تقطع بما قطعوا به، فكذلك هذا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت