فهرس الكتاب

الصفحة 75 من 1140

ـ وكان في النسخة بعد هذا الكلام غلط وقع فيه الناسخ فلم يوقف منه على غرض ـ.

ويقال له: إن الاحتجاج بهذا الحديث لا يكون لإثبات أن الطاعات كلها إيمان، فإن كنت أضفت إلينا لهذا، فقد غلطت، وإن كنت انتقلت عن الفصل الذي ابتدأت به إلى فصل آخر، وهو أن الإيمان هل يزيد وينقص، وأردت بما حكيته عنا: إنا إن احتججنا بهذا الحديث لإثبات أن الإيمان قد ينقص حتى لا يكون في قلب إلا وزن خردلة، ثم قد يكون في قلب آخر وزن شعيرة، وفي قلب ثالث وزن برة، كما وردت به الأخبار، وهذا يدل على تفاوت الناس في إيمانهم، ثم جعلت جوابنا عن هذا ما ذكرت، فلقد أسأت الجواب.

لأنك زعمت أن التوحيد لا يجوز أن يكون خردلة، بل لو وزن السماوات والأرض لرجحهما، وأن التوحيد فعل المتوحد كما أن سائر العبادات فعل المتعبد، وما كان فعل العبد يجوز أن يقع هذا ناقصًا خفيفًا.

وإن كان المقصود بذلك الفعل هو الله جل ثناؤه.

ألا ترى أن الصلاة عبادة الرجل لله جل ثناؤه، كما أن الإيمان توحيد، وقد يصلي الرجل صلاة يوفيها حقوقها فتكون ثقيلة في ميزانه، وقد يصليها مقتصرة على أقل ما تحوي، ويؤديها غافلًا عنها تاركًا الخشوع فيها مستعجلًا بالفراغ منها، فلا يكون لها ذلك الوزن بل يكون يترك الأول بدرجات كثيرة، فكذلك لا ينكر أن يكون إيمان بعض المؤمنين كاملًا بتكامل شعبه وحقوقه، ويضرب له المثل بالحسد وما يشبهه.

وإيمان بعضهم خفيفًا ناقصًا، فيضرب له المثل بوزن الذرة ووزن الخردل، وليس في ذلك شيء يرجع إلى الله تعالى.

ألا ترى أن توحيد الرب قد يعدم في بعض العباد وهم المشركون، فلا يكون لهم ما يوزن أصلًا.

فمن أين استحال منه إذا وجد الناقض الخفيف الذي لا يوزن إلا الشيء اليسير، من نحو ما ضرب له مثلًا، والله أعلم.

فإن قيل: فكيف يكون ذلك قبل أن يكون في قلب واحد توحيد ليس معه خوف غالب على القلب فيردع، ولا رجاء حاضر له فيطمع، بل يكون صاحبه ساهيًا قد أذهلته الدنيا عن الآخرة فإنه إذا كان بهذه الصفة انفرد التوحيد بها إذا كانت كلها تصديقًا، والتصديق من وجه واحد أضعف من التصديق من وجوه كثيرة، فإذا كان كذلك خف وزنه، وإذا تتابعت شهادته ثقل وزنه.

وله وجه آخر: وهو أن يكون إيمانًا واحدًا عن أشياء باستدلال قوي ونظر كامل، وإيمانًا آخر واقعًا عن الخير والركون إلى المخبر به.

فيكون الأول أثقل وزنًا والثاني أخف وزنًا.

فأما قوله: إن شيئًا يكون خردلة، فلا يجوز أن يستحق الخلود في النار بعدمه، فكلام فارغ لأنه وإن كان خفيف الوزن فهو إيمان إذا عدم وجد مكانه الكفر، وعليه يكون التعذيب بالنار، فلا ينظر مع هذا إلى أن الإيمان المعدوم كان خفيف الوزن أو ثقيله.

وإنما ينظر إلى أن الموجود بدلًا منه وهذا الكفر، والكفر أغلظ الجنايات، فحقه أن يقابل بأغلظ العقوبات والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت