وكان في أمر عبد المطلب قبل المبعث في شأنه ما كان، ونكتف من كتاب محمد بن إسحق أن احتيج إليه.
ومنها ما يخزن لهم الملح والنفط والكبريت والنورة والزرنيخ والعصر، وما شيء من هذه إلا ولهم فيه منافع ومرافق.
ومنها ما يخزن لهم الذهب والفضة اللذان لا غنى لأحد عنهما، وبهما يتوصل إلى الحاجات والمآرب التي جعل طريق الوصول إليها بالمال.
ووجودها وعدمها، وقلتهما وكثرتهما يتميز الغني من الفقير، والمتوسط من المتوسع والمقتر، ونصب في أماكن من الأرض جبالًا جعلها كلها رواسي لئلا تميل بالرياح العواصف والزلازل العظيمة الأرض، فيهلك من عليها من الناس والدواب.
وجعلها بعضها معادن للجواهر النفيسة، وفي بعضها القناص، وأصنافًا من النبات والشجر، يختص كل منها بفائدة ومنفعة وتجمع كلها في أنها وقود للناس وعصمة من أذى البرد الذي إذا اشتد لم تقم له الأبدان ولم تحمله.
وجعل فيها أكنافًا كالبيوت ينحصر بها من تدعوه الحاجة إليها.
فأما ما سهل من الأرض وفصل عن المياه، فلم يكن لها قرارًا وعر المسالك والمساكن ومعادن الوحوش والسباع، فقد مكن للناس أكثر ما يحتاجون إليه منها حتى يزرعوا ويحرثوا ويغرسوا، فيكون لهم منها المعايش والمنتزهات، ويتوفر عليهم من قبلها الأقوات والبركات.
فهذا حالهم فيما جعله الله تعالى لهم من الأرض التي أسكنهم إياها.
فكانت لهم بساطًا وفراشًا، ومهادًا وكفافًا وقرارًا، كما سماها الله - عز وجل - وقال: {وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ * فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الأَكْمَامِ * وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ} .
وأما السماء فإنه رفعها فوقهم رفعًا عاليًا جدًا، لأنه لو أدناها من الأرض ومراحهم هذه المراح وهي محيطة بالأرض إحاطة قشر البيض لخرقه لم يتناهوا ولهلكوا إما بركود الهواء وانكباشه فإن ذلك مما يخنق ويقتل، وإما بشدة حر النار التي فوق الهواء، فإنها إذا دنت من الأرض أهلكت إما بالحرق وإما بالدغ والغم، فرفعها بلطفه رفعًا بعيدًا عاليًا شديدًا وزانها بما ترى من الكواكب، ورتب منها الشمس والقمر، فجعل الشمس ضياء والقمر نورًا وقدره منازل، لتعلموا عدد السنين والحساب.
وفرق بين الليل والنهار فسير الشمس وهداكم بالنجوم في ظلمة البر والبحر، فقال - عز وجل - في ذلك: {وَجَعَلْنَا السَّمَآءَ سَقْفًا مَّحْفُوظًا} .
أي كالسقف فيما نرى.
وقال: {وَالسَّمَاءَ بِنَآءً} .
أي كماء مرفوع علي.
وقال: {إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَآءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ} .
وقال: {جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} .
وقال: {وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا} .
وقال تبارك وتعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَآءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا} .
{هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَآءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ} .
وقال: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} .