فهرس الكتاب

الصفحة 806 من 1140

وأما السباع فمنها ما سخرتها للناس بأن جعلها قابلة لتعلمهم كالفهود والكلاب وسباع الطائر، كالبازي والعقاب والصقر والشاهين، فإذا تعلمت وارتاضت كان فيها من المنفعة أن تكتسب لأرباحها إذا حملتها عليه وقد ذكر الله - عز وجل - فقال: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُواْ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ} .

وأما ما لم يسخرها من هذه الوجوه، فلم يحل الناس من تسليطهم عليها، وتقويتهم على قهرها.

ولهم في جلودها المنافع، فإنها قد تكن تشبه الدواب في وقت القتال.

وقد تكون فرشًا وبسطًا إذا دبغت.

فإن فضل عما ذكرنا شيء لا ينتفع به كالخنزير وغيره مما لم يبح أكل لحمه، فذلك لا يعارض غرضنا فيما نسوقه من هذا الباب، لأن الأغراض في الانتفاع موجود في ذلك كله.

فإن كان الله - عز وجل - لم ينعم بالإباحة، فقد أنعم بما كان في الامتحان ما حصر من الحكمة، لأن العبد إذا حافظ على حق الله تعالى، واستباح ما أباح له شاكرًا، واتقى ما حرم الله عليه صابرًا، أثابه الله تعالى بشكره المباح خيرًا منه، وبصيرة على المحظور خيرًا منه، فلم يحل خلق المحظور من أن يكون للبائن كخلق المباح وبالله التوفيق.

ذكر النار: وفي الأرض التي تؤذي، فيكون منها السرج المهتدي بها في الليل بدلًا من ضياء الشمس في النهار، وما يشبه السرج من المشاعل والشموع والقناديل، ويكون منها ما يحتاج إليه للخبز والطبخ والشي وتسخين الماء الذي يغسل به الثياب، أو يحتاج إليه كثير من الأوقات.

وما يحتاج إليه لإلانة الحديد وإذابته وإذابة سائر الجواهر التي لا يحتمل ما يصنع منها إلا بلينه مذابه من الذهب والفضة والنحاس وما يشبهها وما يحتاج إليه منه للوقود والاصطلاء به أيام البرد.

ذكر الهواء فوق الأرض: الهواء الذي إن منع نفوس الأحياء اختنقوا، وحاجة الأبدان كحاجتهم إلى الماء وأشد، لأن كل مخنوق يحل خناقه، فأول ما يفزع إليه هو الهواء فإذا تنشقه ورجعت منه إليه نفسه كالماء، وقد لا يحتاج في ذلك الوقت إلى الماء، ولكنه لا يستغني عن الهواء.

إن الله تبارك وتعالى وضع الزمان أربعة فصول مرجعها إلى تغير أحوال الهواء، وهو يولج من بعضها من بعض ما يولج من الليل في النهار، ومن النهار في الليل، لأنه جعل الربيع الذي هو أول الفصول حارًا رطبًا، ورنت فيه النشوء والنمو، فتنزل فيه المياه، وتخرج الأرض وهرتها، ويظهر نباتها، ويأخذ الناس في غرس الأشجار وكثير من الزروع، وتتوالد فيه الحيوانات، وتكثر الألبان.

فإذا انقضى الربيع تلاه الصيف الذي هو مشاكل للربيع في إحدى طبيعته وهي الحرارة، ومباين له في الأخرى، وهي الرطوبة، لأن الهواء في الصيف حار يابس فتنضج فيه الثمار والحبوب البادية في الربيع، ويدرك من الرطاب والخضروات.

فإذا انقضى الصيف تبعه الخريف الذي هو مشاكل للصيف في إحدى طبيعته وهي اليبس، ومباين له في الأخرى وهي الحر.

لأن الهواء في الخريف بارد يابس، فيتناهى فيه صلاح الثمار وتمكين وتجف، فتصير إلى حال الادخار فتقطف الثمار، وتحصد الأعناب، وتفرع من جميعها الأشجار فإذا انقضى الخريف تلاه الشتاء، وهو ملائم للخريف في إحدى طبيعته وهي البرد، ومباين له في الأخرى وهي اليبس، لأن الهواء في الشتاء بارد رطب، فتكثر الأمطار والثلوج وتمهد الأرض كالبدن المستريح فلا يتحرك إلى أن يعيد الله إليها حرارة الربيع، فإذا اجتمعت مع الرطوبة كان عند ذلك النشوء والنمو بإذن الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت