فهرس الكتاب

الصفحة 808 من 1140

وإذا بدت حركة الهواء عن يمين القبلة ذاهبة إلى يسارها، قيل له ريح الجنوب.

وإذا بدت حركة الهواء عن يسار القبلة ذاهبة إلى يمينها قيل له ريح الشمال.

ولكل واحدة من الرياح طبع.

فتكون منفعتها بحسب طبعها.

فالصبا خاوية يابسة.

والدبور باردة طيبة.

والجنوب حارة رطبة.

والشمال باردة يابسة.

واختلاف طباعها كاختلاف طباع فصول السنة.

وقد تهب رياح كثيرة سوى ما ذكرنا إلا أن الأصول هذه الأربع، فكل ريح هب بين ريحين مما ذكرنا فحكمها حكم الريح التي تكون فيه هبوبها أقرب إلى مكانها.

وهذا هو الكلام فيما يرجع من منافعها إلى الأبدان.

ثم إن لها منافع سواها: فمنها الرياح الشجر، قال الله عز وجل: {وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ} .

ومنها حمل السحاب، قال الله عز وجل: {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرىً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} .

وهذا ما سخره الله تعالى لمصالح الناس ليكفيهم به مؤونة استنباط المياه من العيون ولعل الحاجة تقع إلى الماء حيث لا عين، أو لا سبيل إلى الوصول، فأزاح الله بعلمه بما يحمله السحاب من الماء ويرسله من الريح ليحمله في الجو، ويمسكه على ظهرها بقدرته ومشيئته حتى إذا أراد إنزال شيء من الماء ببلد أنزل منه المقدار الذي يريد لطفًا منه وفضلًا تبارك اسمه وعزت قدرته.

ومنها سوق الفلك في البحر، قال الله عز وجل: {وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلاَمِ * إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ} .

وهذا لأن ماء البحر دائم.

فإذا لم تكن ريح فلا حركة للسفن، حتى إذا هاجت الريح كانت هي التي تحرك الفلك وتزيحها، ولن يكون هبوبها إلا بإذن الله، فهو الذي يسير الناس في البر والبحر، كما قال عز وجل.

ومن فوائد الرياح أن الله - عز وجل - كما جعلها كرامة لنبينا - صلى الله عليه وسلّم - أحوج ما كان إليها، فقال - عز وجل - في كتابه: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا} .

إلى آخر هذه الآية.

فكذلك جعلها من معجزات سليمان عليه السلام لأنه سخر له الريح، فكانت تغدو شهرًا، وتروح شهرًا.

ولم يذكر الله - عز وجل - في كتابه أنها تغدو وتروح.

فذكر في الأخبار أن الشياطين كانت أعدت له مدينة من قوارير، وأنه كان يدخلها بنسائه ومن يريد من قومه، ثم يأمر الريح أن تحملها، فتحملها حمل الرياح السحاب، فتغدو بها مسيرة شهر، وقيل أنه يحمل قومًا على ألواح وأمر الريح فحملتها وجاوزت بها البحر، ثم أنزلتها حيث أمرها به، فقاتلت قومًا من العدو وظفرت، ثم ركبت الألواح فرفعتها الريح وحملتها إلى أن عادت بها معهم إليه مظفرة منصورة.

وهذا الذي سبق اقتصاصه من جملة ما أنعم الله تعالى به على عباده في هيئة خلقهم، والمرافق التي جعلها لهم في أرضه وسمائه وما بينهما، ووراء هذا انعامه عليهم بأن خاطبهم وأمرهم ونهاهم، وجعل صلاحهم لذلك ثمرة للعقل والبيان الذي أعطاهم وميزهم بالتيسير بالعبادة عن البهائم، وألحقهم في ذلك بالملائكة، فعوضهم ذلك، يعلموا ما شرعه، فيستوصوا به ثناءه ومدحه وثناء الملائكة المقربين ومدحهم، ويستفيدوا به النعيم المقيم الذي لا ينتقص ولا يفنى ولا يبيد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت