فهرس الكتاب

الصفحة 819 من 1140

فإن قال قائل: الفاعل هو الطبع: قيل له: وما الطبع فإن هذا الاسم نفسه يدل على أن المسمى به فاعلًا، لأن الطبع لا يكون إلا فعل الطابع، كما لا يكون الضرب إلا فعل الضارب.

وهكذا، إن قالوا: الطبيعة، لأن الطبيعة اسم للمفعول، فإن الطبيعة هي المطبوعة، كما أن القتيلة هي المقتولة، والذبيحة هي المذبوحة، والصنيعة هي المصنوعة، والمفعول في اقتضاء الفاعل كالفعل.

فإن قالوا: الطبيعة قوة مخصوصة، فذكروها ونعتوها.

قيل لهم: القوة عرض لإبقاء له، فيستحيل أن تؤلف الأجسام، كما يستحيل على اللون أن يفعل ذلك، وعلى الصوت والطعم.

ولأن خلق الإنسان فعل شديد متقن، فلا يمكن أن يكون قد صدر إلا عن عالم حكيم.

القوة لا تليق بها الحياة ولا القدرة ولا العلم ولا الحكمة، فأنى يمكن أن يكون الخلق وقع منها؟ فإن وصفوا الطبيعة بهذه الصفات، كانوا مشيرين لمن هي له إلى البادئ، إلا أنهم يلحدون في اسمه فيسمون به غيره، وينسونه، وعندهم أنه معونة، وهذا نهاية الجهل.

فيقال لهم ما قال الله عز وجل: {أَفلاَ تُبْصِرُونَ} ، أي لا عقول لكم تدركون بها خطأ هذا القول وفساده، فترجعوا عنه إلى ما يصح ويسلم على النظر، وبالله التوفيق.

وقال في آية أخرى: {وَسَخَّرَ لَكُمُ الْلَّيْلَ وَالنَّهَارَ} ، فامتن بها على العباد حتى قال محتجًا: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الْلَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفلاَ تُبْصِرُونَ} .

وهذا يحتمل وجوهًا:

أحدها: ما ذكرت في قوله: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَّنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ} .

وذاك أن الله - عز وجل - قد أخبر في غير هذا الموضع، أنهم إن سئلوا: من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فلما كانوا معترفين بذلك، وصاروا مع ذلك يشركون أموات.

فقال لهم: أرأيتم إن حبس الله النور والظلمة، من كان يأتيكم بما حبس عنكم؟ أي فإذا كان خلقها لكم ولا يمكن أن يردها عليكم أحد منهما ما ينزعه منكم، فمن هذا الإله الآخر إذًا؟ وما الذي يملكه، والأمر الذي بيده، وهو معنى قوله - عز وجل - في غير هذا الموضع: {هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت