والثانية قوله: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ} أي فعله كبيرهم هذا إن كانوا ينطقون، فاسألوهم وهو على هذا لا يكون كذبًا.
والثالثة: قوله لسارة: هي أختي إنما أراد بذلك في الدين لا في النسب.
وإذا قيل: هذه الألفاظ كذبات، لأنها أوهمت الكذب، وإن كانت بأنفسها غير كذب.
وقد يسمى الإيهام كذبًا، كما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - ، أن رجلًا جاءه فأخبره: أن أخاه يشكو بطنه.
فأمره أن يسقيه عسلًا فسقاه، ثم رجع، فأخبر أنه لم ينفعه، فقال: «صدق الله، وكذب بطن أخيك، أسقه عسلًا، فسقاه، فبرأ» .
لم يرد بقوله كذب بطن أخيك، الكذب المعروف الذي هو نقيض الصدق، لأن الصدق والكذب يكون في الأخبار، والبطن لا خبر له.
وإنما أراد أن يقال لوجع أو وهن.
إن العسل لا ينفعه.
وليس هذا الوهم بصحيح، فأعد عليه العسل فلما أعاد، صدق الله نبيه، وعافاه عنده، والحمد لله.
والكذب في الجملة مذموم، وهو جملة الشتائم القبيحة التي يقذف منها من عرف منه.
فيقال: يا كذاب، ويا كاذب.
وقد حكى الله تعالى عن الأمم الماضين، أنها كانت تقذف به أنبياءها.
ثم توعدهم على ذلك، فقال حكاية عن ثمود أنهم قالوا لنبيهم: {أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ} .
ثم توعدهم فقال: {سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَّنِ الْكَذَّابُ الأَشِرُ} .
وحكي عن شعيب أنه قال لقومه: {سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ} .
وهذا يدل على أن قومه كانوا رموه بالكذب فقال لهم: ستعلمون من هو كاذب! وقذف - عز وجل - من أراد بقبحه، فقال: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} .
وقال: {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُوْلئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ} .
وقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ} إلى غير ذلك من الآيات التي دل بها على قبح الكذب وسقاطة أصله.
فثبت بذلك أنه ليس من أخلاق المؤمنين، وأنه من أول ما ينبذه المسلم عنه، ويحمي عرضه أن يثلم به والله أعلم.