وكما لا يحل الزنا ويكون ارتكابه من الكبائر، فكذلك إتيان الذكور حرام، لم يختلف المسلمون في تحريمه، وإنما اختلفوا في وجوب الحد على مرتكبه، والذين رأوا عليه الحد، اختلفوا في حده، فقال بعضهم: هو كالزنا.
وهذا وجه من غيره.
وقال آخرون: حده القتل بكل حال، سواء كان الزاني بكرًا أو محصنًا، ولعل من حجتهم أن هذا الصنع لا مدخل له في شروط الإحصان، ولو بطل اشتراط الإحصان لقتل فاعله، لأنه لا مدخل لعينه في شروط الإحصان، لبطل القتل به أصلًا، لأنه إنما يقتل به قياسًا على القتل بالزنا.
فإن كان ذلك يصح مع ما فيه من الغاء شرط الإحصان، فليقل أن هذا الصنع ليس من نوع صنع الزاني، فلا يقاس عليه في إيجاب القتل به.
وأيضًا فإنه إذا كان إنما يقتل قياسًا على الزاني، فليس كا زان مقتولًا، فكذلك كل من فعل هذه الفاحشة ينتغي أن يكون مقتولًا والله أعلم.
ويجوز أن يحمل على شرط الإحصان بالقياس.
ومن رأى هذا الرأي فإنما يذهب إلى أنه ليس يتعاطى هذه الفاحشة شبيه قوم لوط، أولئك لم يلحقهم من العذاب الغليظ ما لحقهم لتعاطي هذه الفاحشة أو مثلها فقط.
ولكن الأصل في تعذيبهم كان الكفر بالله عز وجل، وتكذيب نبيهم لوط صلوات الله عليه، وهجمتهم على بيته ليلة جاءته الملائكة، وإنذارهم إياه، وإشاعتهم الفواحش، واجتراؤهم عليها ومجاهدتهم.
فتغلظ بهذه اكتساب كفرهم، وتغلظت بذلك عقوبتهم.
وإذا كان هذا هكذا، لم يكن أن يقاس عليهم من ارتكب فاحشة من جملة ما كانوا يرتكبونه ولم يكفر بالله تعالى ولا كذب أحدًا من رسله، ألا ترى أن الله - عز وجل - قد أخبر عنهم أنهم كانوا يأتون في ناديهم المنكر.
وقد جاء في تفسيره ما قد جاء.
ثم لا يجوز أن يعاقب من فعل ذلك مقتصرًا عليه بأن يطرح من بنيان عال، وتقطع أوصاله ويموت، فكذلك هذا والله أعلم.
وإذا كان إتيان الذكور حرامًا، فإتيان البهائم أفحش منه وبالتحريم أحق.
فقد اختلف في ذلك فقيل: إنه زنا، وقيل: ليس بزنا.
ومن قال هو زنا جعله كالزنا بالنساء في الحد.
ومن قال: ليس بزنا، رأى فيه التعذير.
وجاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم -: «من نكح بهيمة فاقتلوه» وقد يجوز أن يكون ذلك منسوخًا بقوله: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، وزنا بعد إحصان، وقتل نفس بغير حق» والناس لا يعرفون وطئ البهيمة زنا، ألا ترى أنهم لا يسمون البهيمة زانية، وإن كانت طاوعت رأينا فكذلك الفاعل بها لا يكون زانيًا ولا يقتل.
وهذا الحديث والله أعلم.