وقد جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم -: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه» .
وقال: «ألا إن دماءكم وأعراضكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا» .
وقال: «ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن» .
وقال: «أنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فمن قطعت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذنه، فإنما أقطع له من النار» .
وقال: «من غصب شبرًا من أرض طوقه الله يوم القيامة من سبع أرضين» وقال: «من حلف على يمين فاجرة ليقطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان» .
وقد حكم الله بالقطع على السارق، على أن السرقة من الكبائر كالقتل.
وإن كان التورع عنها من الإيمان، إذ كان بعض جوارح المؤمن مستقص من أهلها، فتفوته إقامة حقوق الله تعالى بها، كما كان استقصاص نفس المؤمن بالقتل دليلًا على أن التجرد من القتل ظلمًا من شعب الإيمان، وعلى أن الإدمان أخو القتل.
فإن النبي - صلى الله عليه وسلّم - كما قال: «من قتل قتيلًا فله سلبه، كان من قطع يدي مشرك ورجليه وهو مقبل كمن قتله» .
ووجدنا اليدين والرجلين تستحق من الواحد متابع السرقات منه، كان ذلك كقتله.
ودل ذلك على قرب منزلة السرقة من القتل.
ودل خبر رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - على أنها من الكبائر، فإنها ذكرت مع ما ذكر منها في حديث واحد.
فأما المحارب فقد تلوت في الآية.
ومعناها: أنهم إن أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، فإن عادوا بعد ذلك قطعت منهم الأيدي والأرجل الباقية فيعرضوا.
وكان الحكم الأول من السارق الجلد.
قال النبي - صلى الله عليه وسلّم - في حرمته: «الجلد غرامة مثلها وجلدات نكال» .
ثم نسخ الجلد وشرع القتل مكانه، ونسخ تضعيف الغرامة، وأقرت غرامة المثل.
كما أقر به المسروق إذا كان قائمًا بعينه
فأما الغضب والإختلاس والنهب فمحاربة ولكنه لا قطع فيها، إنما القطع من إخراج المال المحرز من حرزه عن جميع الدار إلى الطريق أو عن دار المسروق منه إلى غير داره وغير بيته.
فأما ما لم يكن محرزًا أو لم يوجد محاربة فلا قطع فيه.
وإذا كانت المحاربة فالبدو والحضر فيها سواء لعموم الآية.
وإن أخذ المال محاربة إن كان أغلظ من أخذه سرقة لما فيه من المجاهدة، فهي إذا كانت في الأمصار مجاهدة.
فوجب أن يكون مما يجاب الحد أولى منها إذا وقعت خارج المصر، ولا تكون كالغصب والإختلاس، كما لا تكون المحاربة في المفازة بمنزلة الغصب والإختلاس.
وإنما سموا محاربين لأنهم يأخذون السلاح لدفع المانعين والله هو المانع، فكأنهم قصدوا محاربته.
وليس في الغصب والإختلاس هذا المعنى، فكذلك لما يكن فيها حد والله أعلم.