{وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} ، وقال: {فَذَكِّرْ فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلاَ مَجْنُونٍ} .
فيسمي الله - تعالى جده -، نبيه ـ - صلى الله عليه وسلّم - ـ مذكرًا، وسمى تبليغه وتعليمه تذكيرًا، وأمره به إرشادًا وتبصيرًا.
فكيف يعرض لأسباب الضعة ما جعله الله تعالى من أسباب الرفعة؟ وكيف يجري في إعداد أهل النقص طائفة: قائدها نبيها وإمامها رسولها؟ أو كيف يخرج علم التذكير من جملة الفقه وهو لا يقع إلا من أولي الفطنة والتمييز والخبرة بما يوجبه الحال ويرجى أن ينجح فيمن يذكره المقدار الذي لا يستكثر، فيمل منه، أو يتضجر، وبالوقت الذي يكون التذكير فيه أنفع، ومن قلوب السامعين أوقع، وينبوع الذكر الذي يكون إلى القبول أسرع، وفي القلوب أنجع.
وإذا تؤمل هذا المقام وما جرى فيه من الكلام، وجد أشبه المقامات بالقضاء بين المتخاصمين، والحكم بين المتنازعين التذكير، لأن المذكر يفصل بين دواعي النفس، فيميز المردية منها عن المنجية، ويلخص الموبقة من المعتقة، ويرجح دواعي العقل على دواعي الهوى والطبع، ويلزم السامعين أن يقفوا عند الحدود المحدودة لهم ولا يتعدوها، ويلزموا المثل الممثلة لهم ولا يتخطوها، كما أن القاضي يفصل بين المحق في دعواه والمبطل الراكب هواه.
ويميز البينات عن دواحض الشبهات.
ويرجح من أصنافها ما يجب ترجيحه، ويقدم منها ما يحق تقديمه، ويلزم المتحاكمين إليه أن ينتهوا إلى ما يوجبه الحكم لهم، ولا يرضى ببغي إن ظهر له منهم.
فإن كان علم القضاء فقهًا كما يحتاج القاضي إليه من الفهم والفطنة والذكاء والخبرة، فعلم التذكير مثله، لأنه في هذا المعنى شكله.
وبعد هذا فكيف ينفر الناس عن علم القصص وهو من براهين النبوة وإعلام الرسالة، إذ يقول الله عز وجل: {تِلْكَ مِنْ أَنْبَآءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} .
هذا وقد سمى الله - عز وجل - القرآن قصصًا، فقال: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ} .
وقال: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ} .
وإنما الاقتصاص إذا روى الخبر على وجهه، فسواء كان المخبر عنه أنباء الأولين أو الحكام أو أحكام ما سرع للآخرين، فكل ذلك قصص.
والفقه محتاج فيهما إليه لأن به يدرك مقاصد الاقتصاص، وبإدراكها يتميز العام عن الخاص، وليست بنا من تعظيم اسم الفقه والتنويه باسم الرأي وحسه، ولا ذاك بالذي يلحقنا منه مساءة، فأنا بحمد الله من أهل ذلك كله، وإنا لنحن أحكمنا معاقد الرأي والنظر، بعد أن أوضحنا معالم النقل والخبر، فأبينا على من خالفنا القياس، وأوثقنا منه القواعد والأساس، وفصلنا أقسامه ولخصنا شروطه وأعلامه.
وإنما يسوءنا أن يخرج من جملة الفقه ما ليس بخارج منها لنتذرع بذلك إلى نبذه وهجره، والبخس بحقه والإزراء بقدره، ولا ذلك بالذي يتصور به إلا من يراه، ويركب في استحسانه له هواه.
ولكنا من أهل عصر من الأعصار إذا نشأوا عليه، وحدث قبل انقراضهم من يحتاج إلى الأخذ عنهم، احتذى حذوهم ولزم نهجهم، وظن أن لا علم إلا ما حصلوه، وأنهم لو علموا في غيره لأحكموه، ولو أبصروا فيه نفعًا لم يضيعوه.
فلا تزال الأشياء على هذا تتلاحق، والآراء منهم تتوافق وتتطابق، حتى لا يوجد في الناس من يحسن من تفسير القرآن ووجوه الأخيار.
وحكم التذكير الذي هو فصل بين السامع وبين هواه، كما القضاء فصل بين المدعي وبين من أنكر دعواه.
وعلم القصص الذي عظم الله تعالى شأنه، وأظهر به النبي - صلى الله عليه وسلّم - برهانه، إلا قليلًا فتذهب من علم الشريعة أصوله، وتعفو منه اعلامه ورسومه، فذاك الذي دعاني إلى تأليف هذا الكتاب، وتقسيمه على ما بينت من الأبواب.
وقد أثبت فيه بتوفيق الله وعونه جملًا من العلوم المهجورة المجفوة، بمقدار ما حملته من الأبواب التي كتبتها في شعب الإيمان، وضمنت كل باب منها من الكلام فيما يلتحق بسمته، ويدخل في جملته ما يكتفي به ويوصل منه إلى غيره.
فمن بلغه كتابي هذا فلا يحرمن نفسه جزيل الحظ من الخير الذي سهلته له وسقته إليه بالإعراض عن تدبره، وترك الوقوف عليه إلى أن يحظى بما جمعته وينعم النظر فيما ألفته، فإن ذلك إن تيسر له ولم يخنه فهمه، وحسنت في سعيه نيته، رجوت أن يبتهج بإذن الله تعالى أجمعه، ولا يرى في شيء منه أن يدفعه، وبالله التوفيق والتسديد، والإرشاد والقصد والتأييد، وهو حسبنا ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم المصير.