ومعنى الحديث أن هذه الأعمال التي يتراءى بما لا يعمل فينتقل بها في ميزانه وترجح بها كفة الطاعات كفة المعاصي، لا أنه يعاقب على الرياء بالنار، وإنما عقوبة الرياء إحباط العمل فقط، ووجه هذا أنه عمل ما عمل عبادة لله عز وجل، إلا أنه زاد بعمله حمد الناس فإذا أحيل عليه، فقد جوزي بصنيعه، وليس له وراء ذلك ذنب يستوجب عقابًا، لأن جميع عمله شيئان: أحدهما: فعل لم يخل من أن يكون فعله عبادة لله تعالى لأنه لو أراد عبادة غيره به لكفر.
والآخر: قصده أن يمدحه الناس بفعله لا أن يثاب عليه.
فأما الأول فليس بذنب.
وأما الثاني فهو الذنب.
فإذا لم يتب ويصر على قول الناس فقد جوزي فثبت أن ذلك يصادق أمره والله أعلم.
فإن قيل: أرأيت أن أراد أن يمدحه الناس فلم يشتغل به الناس ولم يمدحوه ولم يثنوا عليه ولم يعلموا أخيرًا عمل أم شرًا؟
قيل: لا يؤجر لأنه لم يرد بما عمل وجه الله تعالى.
فإن كان الناس لم يقولوا فيه ما أراد، فإنما هو رجل خسر الدنيا والآخرة فشبه أن يكون من عذاب الآخرة أبعد، لأن حزب الله تعالى هم النابين عنه حتى لم ينل منهم ما أراد من جملة العقوبة.
فإذا جاز أن يكون ثناؤهم عليه لو أثنوا على جميع جزائه، جاز أن يكون قول ثنائهم ومدحهم إياه جميع عقوبته والله أعلم.
ومما جاء في ذم المراءاة بالخير، وشيطان الشر قوله - صلى الله عليه وسلّم: «مثل المؤمن كالبيت الخرب في الظاهر، فإذا دخلته وجدته مزينًا، ومثل الفاجر كالقبر المشرف المفضض يعجب من رآه، وجوفه ممتليء نتنًا» .
ومما جاء في فضل الإخلاص العمل لله، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلّم: «من زار أخاه لله لا لغيره والتمس وجه الله وما عند الله، وكل الله به سبعين ملكًا ينادونه من خلفه حتى يرجع إلى بيته إلا طبت وطابت له الجنة» .
ومما جاء في ذم الرياء والشهوة واستحباب الجمول، إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج إلى المسجد، فإذا هو بمعاذ بن جبل رضي الله عنه يبكي عند قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلّم -.
فقال: ما يبكيك يا معاذ؟ قال شيء سمعت من رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - صاحب هذا القبر.
قال: وما هو؟ قال: سمعته يقول: «إن يسير الرياء شرك، وإن من عادى أولياء الله فقد بارز الله بالمحاربة، إن الله لا يحب الأبرار الأخفياء الأتقياء الذين إذا غابوا لم يفتقدوا، وإن حضروا لم يدعوا ولم يعرفوا، قلوبهم مصابيح الهدى يخرجون من كل غبراء مظلمة» .