وأما الشراب والسراق والزناة إذا تابوا وأصلحوا وعرف ذلك منهم ثم وقعوا إلى الإمام فلا ينبغي له أن يحدهم وإن وقعوا إليه، فقالوا: أثبنا، لم ينزلوا، وهم في هذه الحالة كالمحاربين إذا علقوا وإن كان الذنب من مظالم العباد فلا تصح التوبة منه إلا بأداء الواجب عينًا كان أو دينًا، ما دام مقدورًا، فإن لم يكن مقدورًا عليه، فالعزم على أن يؤديه إذا قدر في أعجل وقت وأسرعه.
وإن كان أضر بواحد من المسلمين، وذلك الواحد لا يشعر به، أو لا يدري من أين أتى، وإن يزيد ذلك الضرر عنه، ثم يسأله أن يعفو عنه ويستغفر له.
فإذا عفا فقد سقط الذنب عنه استجدي له وسأله ذلك بلسانه فهو آثم لتوبته، وإن قيض من يسأله ذلك له، فعفا ذلك المظلوم عن ظالمه، عرف بعينه أو لم يعرفه فذلك صحيح، وإنما قلنا يسأله أن يعفو عنه ويستغفر له لأن أخوة يوسف - صلى الله عليه وسلّم - كانوا أضروا بأبيهم إسرائيل عليه السلام، فلما جاءوه بآيتين.
{قَالُواْ يأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ} فدل ذلك على أن الاحتياط في الجمع بين عفو المظلوم واستغفاره والله أعلم.
وقد كان لأمرهم وجه آخر.
وهو أن أباهم كان نبي الله فيهم، ومن حق النبي إذا كان بين ظهران قوم أن تكون توبتهم عنده، وأن يستغفر لهم مع ذلك، فيتأكد استغفارهم لأنفسهم باستغفاره لهم وتكون مسألتهم إياه ذلك من تمام استغفاره، لأن فزعهم إليه إيمان بالله تعالى، وتعظيمهم له تعظيم لله عز وجل، والتأييد به فضل خوف ورهبة من الله تعالى.
فإذا انضمت هذه الأسباب كانت الإجابة أرجأ وأقرب.
وقد قال الله عز وجل: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا} .
واستقصى من ظلم نفسه، وهو يمكنه لقاء النبي - صلى الله عليه وسلّم -، والإستظهار بدعوته فلا يحبه، فيتوب عنده ويسأله الاستغفار له وذلك من الوجوه التي ذكرنا وهو أن في الفزع إلى النبي - صلى الله عليه وسلّم - فضل الرهبة من الله، والإشفاق من الذنب وكلما كان المستغفر أخوف من الله تعالى كان أخلق أن يغفر ذنبه وتجاب دعوته والله أعلم.
وإن أساء رجل إلى رجل بأن نزعه بغير حق، أو غمة أو لطمة أو صفعة بغير حق أو ضربه بسوطه فآلمه ثم جاءه مستعفيًا نادمًا على ما كان منه عازمًا على أن لا يعود، فلم يزل يتذلل له حتى طابت نفسه، فعفا عنه سقط الذنب عنه.
وهكذا إن كان شأنه بشتم لا حد فيه.