يقال له: زعمت أن الندم هو التوبة، وإن رد المال إذا لم يقع لم تصدق التوبة ولم تتحقق، فاحتيج إلى رد المال لتحقيق الندم لأن الرد نفسه من التوبة، وليس هذا كما قلت لأنه قد يندم على غصب المال، ويصر مع ذلك على حبسه لئلا يستضعف، أو لئلا يطمع واحدًا آخر في استرجاع ماله منه.
ومن الموجود في العادات أن يقول القائل: ما كان ينبغي لي مفارقة بلدي وإتيان هذا البلد، وإذ قد أتيت فليس إلا الصبر.
ويقول: ما كان فلان أهلًا لما أعطيته، وما كان ينبغي لي أن أعطيه.
وإذا قد كان من ذلك فليس إلا الإحتمال والتجاوز.
وقد يقول: الجيش إذا لاقى العدو، وما كان ينبغي لنا أن نخاطر ونلقي العدو في هذه العدة اليسيرة.
وإذ قد فعلنا فلا وجه للفرار وليس إلا الثبات.
وقد يقول الأبق.
ما كان ينبغي لي أن أفارق سيدي وإذ قد فعلت فلا وجه للرجوع إليه وليس إلا البعد منه.
فإذا كان هذا وأمثاله من عاقبة الناس وقولهم.
فلم قلت: أن الرد ما لم يقع من الغاصب والندم غير حادث.
وما أنكرت من الإصرار قد يجامع الندم كما جامعه فيما ذكرناه وعارضناك به.
وما أنكرت أن الندم إنما يقع على ابتداء الجناية ولا سبيل إلى تدارك الابتداء، وإنما يقع قطع دوامها، وصار الذي يرفع بالندم غير ما وقع إليه الندم.
وإذا كان غيره أمكن أن يقاربه فبطل، فذلك أن رد المغصوب يحتاج إليه لتحقيق الندم وليس بنفسه توبة.
وثبت أن الندم قد يتحقق من غير رد المغصوب.
ويقال له: ما أنكرت أن يرد المغصوب إنما يحتاج إليه لفسخ الجناية القائمة في الحال وفي الحيلولة بين المالك ولملكه بغيًا وعدوًا فهو من المغاصب بمنزل الإسلام من المرتد.
ومعلوم أن المرتد إنما يكون تائبًا إذا ندم على ردته فأسلم وعزم على أن لا يعود، وإن إسلامه توبته.
ولا يصح أن يقال أن ندمه هو التوبة.
والإسلام يحتاج إليه ليصير سببًا لإسلامه.
كذلك رد المغصوب هو التوبة والندم يحتاج إليه ليصير سببًا لرد المال إلى مالكه والله أعلم.
واحتج هذا الزاعم لقوله.
بأن التوبة قد تصح عن كثير من الذنوب التي ليس يحتاج فيها إلى رد شيء، فعلمنا أن التوبة هي الندم والعزم على ترك العود.
فيقال: قد أنبأنا الله - عز وجل - أن التوبة من الشرك هو الإسلام فإنه - عز وجل - قال: {فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ} فمعلوم أن إقام الصلاة وإيتاء الزكاة لا تكون إلا بعد الإسلام.
فصح أن معنى قوله {فَإِن تَابُواْ} أي فإن أسلموا.
وقال {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ} .
والانتهاء عن الكفر لا يقع بالندم عليه وإنما يقع بالإسلام.
فصح أن توبة الكافر إسلامه ثم لم يجز أن يقال أن إسلامه ليس من صلب توبته، لأن كثيرًا من الذنوب يتاب منها من غير أن يحتاج في التوبة منها إلى عقد الإسلام، فما أنكرت أن كثيرًا من الذنوب وإن كان يتاب منها من غير أن يحتاج فيها إلى دفع مال فذلك لا يدل على أن التوبة إذا كانت من الغصب لم يكن رد المال من أصل التوبة والله أعلم.