فهرس الكتاب

الصفحة 921 من 1140

مسألة: وزعم أن من كانت له ذنوب فتاب من أحدها لم تصح توبته حتى يتوب منها كلها، واعتل بأن التوبة من الذنب إنما تصح إذا كانت، لأنه ذنب أو لأنه معصية.

فأما التوبة منه، لا لأنه معصية لا تصح وإن كانت التوبة إنما تصح إذا كانت، لأن ما يتوب منه معصيه أخرى لم تكن بينهما وبين الذي يتوب منها فرق فيكون كمن تاب عن معصية هو مقيم عليها فلا تصح توبته.

ألا ترى أنه لو تاب من غصب المال وهو متمسك به لا يرده لم يكن تائبًا.

فكذلك إذا تاب عن الغصب وهو مقيم عن القتل أو القذف أو الشرك خمرًا أو عقوق الوالدين لم يكن تائبًا لأن الغرض من التوبة الردع عن المعصية وهذه كلها معاصي.

فيقال له: ما تقول في رجل زنى وشرب الخمر فجلد حد الزنا.

أيكون ذلك حدًا مع بقاء حد الشرب عليه، فلا بد من نعم فيقال له: إذا جلد على حد الزنا لأنه وقع منه معصية، لا لأنه هتك حرمة زوج المرأة أو ابنها أو عمها أو بناتها وغيرها فلا بد من بلى فيقال له: أرأيت لو قال قائل: أنه إذا كان يجلد على الزنا لأجل أنه معصية، فإن ذلك لا يقع موقع الحد ما دام عليه حد معصية أخرى.

وتكون إقامة أحد الحدين عليه وترك الآخر كإقامة بعض الحد الواحد عليه وترك البعض، فإذا كنت قائلًا له: فإن قال: أقول له: إن الحد لم يجب على الزاني لأنه عصى فقط، ولكنه لوجود معصية مخصوصة منه قبل وكذلك الغاصب ليس ذنبه أنه عصى معصية مخصوصة وسقط حد الآخرين فما أنكرت أن التوبة تصح من إحدى كبيرين مع الأضرار على الآخرين، لأن كل واحد منهما معصية مخصوصة، فجاز أن يبقى حد بهما، ويسقط الآخر بالتوبة منها.

فإن قال: أرأيت إن كانت عليه كبيرتان من جنس واحد.

قيل: أما إذا اعتدلنا فقد يجوز أن يقال: لا يمكن التمييز بينهما من التوبة ليس من الوجه الذي قلت، ولكن لأن التوبة إنما تكون بالإرتداع عن الخطية في الحال والندم على ما سلف منها، وترك العزم على العود إليها.

فإذا كانت على الرجل خطيئتان من جنس واحد لم يصح منه أن يعزم على ترك العود إلى إحداهما، لأنه إنما ينبغي أن يترك العود إلى مثلها فأما ما مضى منه فلا يتركه العود إليه أبدًا.

وإذا كان كذلك فهو إذا لم يتب من الأخرى وهي مثلها صار بالإصدار عليها، كالعائد إلى مثل الذي يريد التوبة منها.

فصح أن التوبة من إحداهما لا تتحقق ولا تبالي حتى تكون منهما جميعًا.

وليس الجنسان هكذا، لأن الإرتداع عن إحداهما على الدوام مع إصابة الآخر ممكن، فكذلك تصح التوبة من إحداهما مع الإصرار على الأخرى.

ومما يبين هذا أن الراشين أو الشاربين يدخل حد أحدهما في حد الأخرى، فلا يمكن أن يحد على إحداهما من حيث لا يصير محدودًا على الأخرى.

فكذلك لا يكون تائبًا من إحداهما غير تائب من الأخرى وأما الخطيئتان إذا اختلف جنسهما، فإنه قد يكون محدودًا على إحداهما من حيث لا يكون محدودًا على الأخرى.

فكذلك قد يكون تائبًا من إحداهما غير تائب من الأخرى.

والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت