فهرس الكتاب

الصفحة 939 من 1140

وأما اشتراط العدالة، فلأن الإمام إذا كان يتولى حقوق الله تعالى وحقوق المسلمين فإن قبضه منصب الإمامة ائتمان له على هذه الحقوق، ولا يجوز أن يؤتمن على حقوق الله تعالى من ظهرت خيانته له.

ألا ترى أن له أن يحاكم إذا أراد أن يستودع أحدًا مال يتيم لم يجز له أن يستودع من قد ظهرت خيانته في أمثاله، فكيف يجوز للأمة أن تأتمن على حقوق الله تعالى وحقوق عباده من ظهرت خيانته لأن الفاسق ناقص للإيمان، فلا يجوز أن يشرف بالتولية على المسلمين، الذين فيهم من هو كامل للإيمان، أو أقرب إلى كماله منه كما لا يجوز أن يولي شيئًا من أمور المسلمين كافر أو لأن الفاسق لا يرضى للشهادة، فكان بأن لا يرضى للحكم الذي هو أرفع منزلة من الشهادة أولى.

وإذا يرض للحكم كان بأن لا يرضى بالإمامة التي هي أجمع من الحكم أولى والله أعلم.

ولأنه إذا لم يصلح نفسه إما بصنيعها له أو عجز عن إصلاحها فيما طرأ أن يكون لمن يحوي في الإفساد مجراه أكثر تصنعًا، ولا عن صلاحه أشد عجزًا.

ومن كان مميزًا بهذه المنزلة فهو أبعد الناس من موقف الأئمة وبالله التوفيق.

فقد جاء في الإمام المقسط والجائر أخبار.

قال رسول الله - صلى الله عليه وسلّم: «إن أحب الناس إلى الله يوم القيامة وأقربهم منه مجلسًا إمام عادل.

وأن أبغض الناس إلى الله يوم القيامة وأشدهم عذابًا إمام جائر».

إن المراد بقوله وأشدهم عذابًا أي: أشد الأبغض أشدهم عذابًا، وأن المراد بقوله: «أقربهم مجلسًا» ، أي الأحب أكثرهم كرامة وأحسنهم ثوابًا.

فصل: وإذا استجمع الواحد الشرائط التي سبق ذكرها نظر: فإن كان الذي يقدمه فلانه في حياته ما يتولاه، أما استخلافًا إياه عند عجزه عن القيام بماعليه فيه.

وأما انخلافًا إليه منه على النظر للمسلمين، فذلك نص ماض منه، ولا اعتراض عليه فيه.

وإن كان أوصى له بالولاية بعد موته، مالا ظهر أن ذلك جائز، وقد يحتمل غيره.

وإن استخلف إمام على جميع ما إليه من أمور الأمة رجلًا مثله قيضه منصب نصبه من عجزته عن مناشر ما إليه فالأشبه إن ذلك غير جائز، لأن ذلك لو جاز لكان للناس إمامان ويلك كل واحد منهما عزل الآخر على النظر للمسلمين، ولا يجوز أن يكون لهم إمامان، لأن ذلك يؤدي إلى التخرب والتفرق.

وإنما احتيج للإمام للجمع ورفع التفرق.

فإذا كان نصب إمامين يؤدي إلى التفرق، كان ذلك أضر من أن يكون للناس إمام.

فصح أنه لا يجوز أن يكون لهم إلا أمام واحد.

وأما إذا عجز فاستخلف فجائز، لأن ترك الإستخلاف في هذه الحالة مضيعة، وللإستخلاف نظر وقيام بحق الإمامة، فإن استقل بذلك ورجع إلى حاله الأولى كان هو الإمام وانتهت خلافة خليفته.

وإن استمر به العجز حتى مات استقرت خلافة خليفته، لأن نكبة الخلافة إذا كانت عجزه عما إليه، فكلما ازدادت الخلافة استقرار فلا عجز أشد من الموت، فوجب أن يتأكد أمر الخليفة بوقوعه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت