فهرس الكتاب

الصفحة 947 من 1140

فصل: وإن سأل منهم: إذا وجدوا قريشًا عالمًا عدلًا، كيف يصنعون؟ قيل: الإشبه عندي ـ وبالله التوفيق ـ أنه يقدم القرشي العدل، فيتولى الناس الصلاة، فإن أشكل عليه أمر، وجاء بشيء عمل فيه برأي أهل العلم ويسعه ذلك لأنه يصلي لنفسه.

وإن أتيتم به غيره، ويجاهد بهم المشركين في الوقت الذي يراه أوعز وأصلح، وذلك من باب التدين والسياسة، فلا يمنعه من ذلك أن لا يكون فقيهًا.

فإذا لقوا المشركين أو أحرزت الغنائم ولي أمرها رجلًا من أهل العلم ليتولى منه ما أراه الله عز وجل، ويولي الحدود رجلًا من أهل العلم، والقضاء كذلك، وأخذ الصدقات وتفريقها كذلك، وكذلك كل عمل من أعمال المسلمين لا يقوم بتنفيذه إلا أهل العلم لذلك، وإن جمع الأعمال كلها لواحد فولاها إياه، جاز بعد أن يكمل لها، فيكون حاصل هذا المعقود له الإمامة، أنه إمام في الصلاة، وإمام في كل عمل يتهيأ امضاؤه بالعلم الظاهر الذي يشترك فيه العامة والخاصة.

فأما كل عمل لا يتهيأ امضاؤه إلا بالعلم الذي ينفرد به الخاصة، وليس بموجود عنده فإنه إمام فيه، في حق التولية دون التنفيذ والمباشرة، وليكون مصدرًا للولاة والعمال من تحت يده بعد أن يرجع إلى أهل العلم، فإذا وقع اختيارهم على من يصلح ولاّه إياه فتكون منزلته في عامة الأعمال كمنزلة الإمام المطلق في الأيامى اللاتي لا أولياء لهن، فإنه لا يزوهن إذا كان محرمًا، ولكن يولي تزويجهن حلالًا، فيجوز تزويجه، كمنزلة الإمام الكامل في البلدان التي لا يبلغها، فإن إمامته إنما تظهر فيها بالتولية دون مباشرة الأمور وتنفيذها بنفسه.

وكمنزلة في حال شدة مرضه، فإنه إذا عجز عن النظر في أمور المسلمين ولي غيره، فجاز أمره، وقد تولى، فيموت فيعجز بالموت عن العمل، وتدوم الولاية لمن ولاه.

وكذلك إذا عقد له وليس بكامل صار إمامًا في حق التولية، وإن لم يكن إمامًا في حق التنفيذ والمباشرة وبالله التوفيق.

فإن قيل: فلم يحتاج إليه إذا كان لا يكمل للأمر، ويحتاج إلى أن يولي كل شغل رجلًا، ولم لا يقال: إن الذين يعقدون له الأمر يتولون النظر في هذه الأعمال فيولون كل رجل يصلح له!

قيل له: قد قلنا أنه لا بد من إمام وبينا وجهه.

وذكرنا أن الإمامة لا تليق إلا بعلية الناس وهم قريش، فلا يصلح مع هذا أن يقوم العامة بتقليد الأعمال، ولكنهم يجتمعون على واحد، فيكون الأمر في الجملة إليه.

فإن استقل بعامة الأعمال، وإلا استعان بغيره على ما وصفت والله أعلم.

فإن قيل: فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلّم - يؤمر الآمر، ولا يتحرى فيهم الفقه والنظر، فلم لا أجزت مثل ذلك في كل وقت؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت