فصل: وإذا أمر الإمام أمراء، واستقصى قضاه ثم مات، كان امراؤه وقضاته على أعمالهم كما كانوا في حياته ولا ينعزلون.
وليسوا كالوكيل ينعزل بموت الموكل، لأن الوكالة نيابة، والولاية شركة.
أر ترى أن الوالي يخدم ولا يرى الإمام الذي ولاه الحد فيجوز ذلك له ويسعه.
والقاضي يقضي بخلاف رأي الإمام الذي استقضاه، فيجوز ذلك منه.
والوكيل لا يعمل إلا ما يوافق رأي الوكيل، فإن خالفه رد فعله.
فصل: فإذا أوصى الإمام بالأمر من بعده إلى أحد مثله، فذلك جائز لأن اختيار من يلي الأمر من بعده أحد مصالح المسلمين وهو منصوب لها كلها، فهذا منها.
فصل: فأما ولي الصرف، وقاضي البلد إذا عهد إلى غيره بما يليه من بعده، كان ذلك منه لأن المفوض إليه ليس بحق له لازم، ألا ترى أن للإمام عزله أيضًا.
فهو في هذا الوجه كالوكيل، فالإمام المتفق عليه إمامته حق لازم لأنه ليس لأحد أن يعزله.
فلذلك نفذ تصرفه في حياته وبعد موته والله أعلم وبالله التوفيق.
ذكر حقوق الولاة:
قال الله عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ}
وجاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - «إسمعوا وأطيعوا ولو أمر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة» .
وجاء عنه - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «من أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني» فأول الطاعة للإمام أن يعظم ويؤمر من الدخول عليه والجلوس عنده ومخاطبته ومعاملته، ويتحاشى إيذاؤه وإغلاله والغض من حرمته.
وإذا أقيمت الصلاة خلفه في وقتها، وكان هو الذي بالناس، أو خليفته لم يتخلف أحد عن الصلاة خلفه، إلا أن يكون له عذر بين.
وسواء كان في الناس من لا يرى رأيه فيها يجب في الصلاة أو لا يجب، وينقض الوضوء أو لا ينقض، ويفسد الصلاة أو لا يفسد، أو كانوا كلهم يرون رأيه.
فعليهم أن لا يقعدوا عن الجمعة خلفه بل يصلوها وراءه معتقدين وجوب اتباعه وتحرى عنهم.
وقد كتبت في هذه المسألة مفردة استمعت القول فيها، وليس لهم إذا حضروا المسجد أن يبادورا الإمام الجمعة، بل ينتظرون خروجه ليفتهما فيهم صلوها قبل وهو مترسخ لها لم تجر عنهم.
فصل: وإذا سأل الوالي زكاه وجبت في مال ظاهر لرجل فعليه أن يدفعها إليه منشرحًا بها صدره.
فصل: وإذا خرج الإمام للجهاد فإن كان قد وقع ولا يدري أن الكفاية بأي مقدار تقع من الغزاة، فعلى كل من قدر على الجهاد أن يخرج بخروجه وإن كان متطوعًا مبتدئًا فعل من يأمره بالخروج معه من المقاتلة الذين يروقهم أن يخرجوا وليس لأحد منهم أن يختلف عنه بلا عذر، وإن لم يخرج بنفسه، وأنفذ سرية، فعلى من سماهم واختارهم من الجملة التي ذكرناها أن يسمع ويطيع وليس لأحد من المجاهدين إذا اغنموا أن يستأثر بشيء من الغنيمة، ولا يأخذ إلا ما يعطيه الإمام عند القسمة، ولا يتولى عزل الخمس وتفريقه غيره، ولا قسم الأربعة الأخماس إلا هو، وليس لأحد أن يهادن العدوا ويعاقدهم الصلح على أموال يعطونها المسلمين إلا الإمام.