وفي ذلك دليل على أن مفارقته إذا أمكنت بغير نقض الجماعة وجبت مفارقته.
ومعنى مفارق الجماعة: إن الجمهور إذا كانوا يريدون أن فسقه لا يناقض إمامته، وكان نفر يرون أنه يناقضها، فهؤلاء النفر ليس لهم أن يتوخوا بما في نفوسهم لأن الجمهور يخالفونهم، ويردونهم عن رأيهم.
فأما أن ينفع الفرقة، وأما أن تصيبهم من الإمام المعرة استظهارًا فيه بالجمهور، فيكونون قد تعرضوا من البلاء ما لا يطيقونه، وذلك ما قد نهو عنه.
وهكذا إن كان أهل الرأي اضطربوا وماجوا، وثارت الفتنة، واضطرب الحبل فسألهم أن يسكنوا ويلزموا الجماعة.
ومعنى لزوم الجماعة في هذه الحال الثبات على الأمر الجامع، وهو إحتساب صاحبهم إمامًا، والتزام طاعته وترك الخوض فيما يفرقه فواجب السكوت عنه، فأقام الصلوات وجب إثباتها وإقامتها.
فإذا سأله الصدقات، فاعتدى فيها وأراد فوق الواجب ولم يكن رده أعطى، ويكون قول رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - «ومن سئل فوقها فلا يعطه» خارجًا عن ما يمكنه أن يمتنع من الزيادة، أو دلالة على أن الإمام وإن طالب بها، فليست الزيادة بصدقة تلزم لزوم الأصل.
وهكذا إن علم منه أنه يأخذ الصدقات فلا يضعها مواضعها أعطي، إذا المصدق إن لم يكن أن يعطي ويكتم وتسقط الصدقة بذلك عن طالب المال كما يسقط حد الإمام الباغي إذا ثبت تأويله، وهكذا إن نصب قاضيًا وجب الترافع إليه إذا وقعت الضرورة ووجبت طاعته.
فأما إن اسقروا واستبصروا فإن ذلك يختلف.
فإن كان في جهاد وجبت طاعته، وإن كان في دفع واحد مثله عن نفسه، أو قصد جائر قتله ليقمعه أو يلحقه بحملته أعين، وليكن بينه من يعينه يوهن المدفوع والمقصود، وكسر شوكته وإبطال أمره عليه لفسقه وفساده، لا أعلمه من هو خارج معه لتقوى يده وتشتد شوكته.
وإن كان في دفع جنده وقصدوه بالحق، ليزيلوه عن مكانه ويجلسوا فيه من هو أهدى سبيلًا وأقوم طريقًا منه، فإن أبصر الناس فيه قوة، وكانت غلبتهم لهم أظهر، وألهم في رأيهم من خلافها، لم يكن لهم أن يعينوا صاحبهم، فكان عليهم أن يواصلوا الجند القاصرين له، ويسألوا الله تعالى أن يكفيهم جميعًا أمره، وإن كان بهم ضعف ووهن فيما يريدون ويخشون أن لا يثبتوا ولا يطيعوا صاحبهم، وإن أجابوهم ابتلوا معهم، كان على من يعذر في القعود أن يتعدوا إن أرادوا صاحبهم عن الخروج معه، ولم يقبل له عذرًا خرج معه، وينكث للرمي والضرب والطعن ما أطاق.
فإن حمل على كل شيء من ذلك رمى رميًا ضعيفًا لا يبلغهم بمثله سهمه، أو قويًا يتجاوزهم، ولا يسكن بينه وبينهم حموه، وإشارة بالرمح ولم يطعن، وبالسيف ولم يضرب، وأكل مما يرميهم به لو يشير به نحوهم نعتًا له.
وإن قدر على تحذير الناس من حيث لا توقف على أمره فعلت، فإن هموا بالإنصراف كان أول منصرف وبالله التوفيق.