فأما ما اتصل منه بغير الحكم، والناس كلهم مأمورون بأن يتصف بعضهم بعضًا من نفسه، فلا الطالب يطلب ما ليس له، ولا المطلوب تبع بما عليه بعد أن يكون قادرًا على أن يعفوه.
وأما ما اتصل منه بالحاكم، فجملته أن الحاكم ينبغي أن لا يتبع هواه ولا يتعدى الحق إلى ما سواه، كما قال - عز وجل - لداود عليه السلام: {يدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} .
فإن الحاكم ليس رجلًا خص من بين الناس، فقيل له احكم بما شئت، فإن هذا لم يكن لملك مقرب ولا نبي مرسل.
فإنما اؤتمن على حكم الله تعالى ليفصل بين عباده به، ويحمل المختلفين عليه، فكل ما قاله بين الخصمين بما ليس بحكم الله فهو مردود عليه، وهو فيه أسوأ حالًا ممن قاله وهو غير حاكم.
لأنه اؤتمن فخان، وكذب على الله جل ثناؤه واختيان الأمانة نفاق والكذب على الله شقاق، والله - عز وجل - يقول: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ} .
ويقول يوم القيامة: {تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ} .