فقد خطب إبراهيم صلوات الله عليه لأمانة لذريته شرفًا بها.
وخطب يوسف عليه السلام الخزائن نظرًا للمسلمين واحتياطًا لهم.
فلم ينكر الله تعالى ذلك عليهما، وإن كان المتعرض إنما يطلب الحكم شرفًا وطمعًا، واستطالة على الناس وبذخًا، فلا ينبغي للإمام أن يوليه، وكل ما ظهر للإمام قصوره في العلم عما يحتاج إليه أو فيه أو تهوره فحرام عليه أن يستقصيه.
فصل: وقد وردت في تقلد القضاء آثار تزهد فيه، بل توجب التحرز والفرار منه.
من ذلك ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين» .
وعنه - صلى الله عليه وسلّم - «ما من أحد يحكم بين الناس إلا جيء به يوم القيامة وملك أخذ بقفاه حتى يقف به على شفير جهنم.
فإن أمر به هوى به في النار سبعين خريفًا».
وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلّم: «ستة أيام، أعقل أبا ذر، ما أقول لك! ثم كان اليوم السابع، قال: أوصيك بتقوى الله في سر أمرك وعلانيته، وإذا سأت فأحسن، ولا تسأل أحدًا شيئًا، وإن سقط سوطك فلا تؤمن أمانة، ولا تولين يتامى، ولا تقضى بين اثنين»
وقال عثمان لابن عمر رضي الله عنهما: إذهب فكن قاضيًا! قال: أو تعفينني يا أمير المؤمنين! قال: فإني أعزم عليك.
قال: لا تعجل علي، هل سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - يقول: «من عاذ بالله فقد عاذ معاذًا» .
قال: نعم.
قال: فما تكره من ذلك وقد كان أبوك يقضي؟ قال لي أني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - يقول: «من كان قاضيًا يقضي بجور كان من أهل النار، ومن كان قاضيًا يقضي يجهل كان من أهل النار ومن كان قاضيًا عالمًا يقضي بالعدل فبالحري أن ينفلت كفافًا، فما أصنع بهذا؟» .
وقال بعضهم ذكرنا أمر القضاء عند عائشة رضي الله عنها فقالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - يقول: «يجيء بالقاضي العدل يوم القيامة فيلقى من شدة الحساب ما يتمنى أنه لم يقض بين اثنين في غرم قط» .
وقال صعصعة بن صولان: خطبنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه بذي قار وعليه عمامة سوداء قال: أيها الناس إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - يقول: «إنه ليس من قائل ولا قاض إلا يؤتى به يوم القيامة حتى يوقف بين يدي الله تعالى على صراط، ثم ينشر الملك سيرته، فيقرأها على رؤوس الخلائق.
فإن كان عدلًا نجاه الله بعد له.
وإن كان غير ذلك انتفض به الصراط انتفاضة صار بين كل عضوين من أعضائه مسيرة مائة سنة، ثم ينخرق به الصراط، فما يتلقى قعر جهنم إلا بوجهه وحر جبينه».