طَهُرَتْ، حَلَّ لَهَا النِّكَاحُ، فَإِنْ هَاجَرَ زَوْجُهَا -يعني: أسلَمَ وهاجَرَ- قَبْلَ أَنْ تَنْكِحَ، رُدَّتْ إلَيْهِ (1) .
وهذا قولُ عمرَ بنِ الخطَّابِ والنَّخَعِيِّ وجماعةٍ، وقد روى محمدُ بنُ سِيرينَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ يَزيدَ الخَطْمِيِّ: أنَّ نصرانيًّا أسلَمَتِ امرأتُهُ، فخيَّرها عمرُ بنُ الخطابِ: إنْ شاءتْ فارقَتْهُ، وإنْ شاءَتْ أقامَتْ عليه (2) .
ويَذهَبُ بعضُ العلماءِ: إلى أنَّ إسلامَ أحدِ الزوجَيْنِ وتأخُّرَ الآخَرِ يَفسَخُ النكاحَ ولو كان تأخُّرُه يسيرًا، وهذا لم يَقُلْ به -فيما أعلَمُ- أحدٌ مِن الصحابةِ، ولا أحدٌ مِن متقدِّمي فقهاءِ الحجازِ، وهم العمدةُ في الفتوى في مِثلِ هذه الأبوابِ.
ويَفهَم بعضُ المعاصرينَ ما يُروَى في ذلك عن عمرَ وعليٍّ في الزوجةِ التي أسلَمَتْ عن زوجٍ كافرٍ: أنَّ زَوْجَها أَمْلَكُ ببُضْعِها (3) ، وأنَّه أحَقُّ بها ما لم تخرُجْ مِن مِصْرِها (4) - وحملوا ذلك على أنَّه يَحِلُّ له وطؤُها وهو كافرٌ.
وهذا غلطٌ وتحميلٌ لقولِهما ما لا يَحتمِلُه، ولا يَحِلُّ وطءُ المُشرِكِ للمُسلِمةِ، ومرادُهما: أنَّه أَولى بها مِن غيرِهِ إنْ أرادَها بعدَ إسلامِه، ويَبقى على عقدِه الأولِ ما لم تتزوَّجْ بعدَ عِدَّتِها، ولم يكنِ الصحابةُ يبحثونَ مسألةَ وطءِ الكافرِ لمسلِمةٍ، ولكنْ لمَّا بَعُدَتِ الأفهامُ عن مقاصدِهم ورَقَّ الدِّينُ، حَمَلَ هؤلاءِ كثيرًا مِن محتمِلاتِ ألفاظِهم على غيرِ مُرادِهم.
وقولُه تعالى: {وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا} ؛ يعني: أزواجَهُنَّ المشرِكينَ يُرسِلُ
(1) أخرجه البخاري (5286) .
(2) أخرجه عبد الرزاق في"مصنفه" (10083) و (12660) ، وابن أبي شيبة في"مصنفه" (18309) .
(3) أخرجه ابن أبي شيبة في"مصنفه" (18307) عن عليٍّ.
(4) أخرجه عبد الرزاق في"مصنفه" (10084) و (12661) عن عليٍّ.