اختصاص الحكم لم يبق حجة باتفاق، كقول الله -تعالى-: {وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ} [1] . فإنه خص هذه الصورة بالنهي؛ لأنها هي الواقعة، لا لأن التحريم يختص بها، وكذلك قوله-تعالى-: {وَإِنْ كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} [2] فذكر الزمن في هذه الصورة للحاجة، مع أنه قد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مات ودرعه مرهونة [3] ، فهذا رهن في الحضر، فكذلك قوله: «إذا بلغ الماء قلتين» في جواب سائل معين بيان لما احتاج السائل إلى بيانه، فلما كان حال الماء المسؤول عنه كثيرا قد بلغ قلتين، ومن شأن الكثير أنه لا يحمل الخبث، فلا يبقى الخبث فيه محمولًا، بل يستحيل الخبث فيه لكثرته، بين لهم أن ما سألتم عنه لا خبث فيه، فلا ينجس، ودل كلامه - صلى الله عليه وسلم -، على أن مناط التنجيس هو كون الخبث محمولًا، فحيث كان الخبث محمولًا موجودًا في الماء كان نجسًا، وحيث كان الخبث مستهلكًا غير محمول في الماء كان باقيًا على طهارته، فصار التقدير في حديث القلتين .. لبيان صورة السؤال، لا أنه أراد أن كل ما لم يبلغ قلتين فإنه يحمل الخبث، فإن هذا مخالف للحس، إذ ما دون القلتين قد لا يحمل الخبث ولا ينجسه شيء" [4] ."
3 -حديث أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «إِذَا وَلَغَ
(1) سورة الأنعام، آية رقم: (151) .
(2) سورة البقرة، آية رقم: (283) .
(3) أخرجه البخاري في الجهاد والسير، باب: ما قيل في درع النبي - صلى الله عليه وسلم - والقميص في الحرب، (3/ 1068) رقم: (2759) ، ومسلم في المساقاة، باب: الرهن وجوازه في الحضر كالسفر، (3/ 1226) رقم: (1603) .
(4) الفتاوى الكبرى، لابن تيمية: (1/ 422) .