التقرب والاحتساب في بنائها من المال الحرام لا يجوز [1] ، وإنما مقصده التخلص منها، وإبراء ذمته، وهو يحصل بهذا الأمر، كما يحصل بغيره من دفعها للفقراء أو المحتاجين أو غير ذلك.
3 -ما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من أحاديث فيها الأمر بالإنفاق من الحلال، وتجنب الإنفاق من الحرام، كحديث أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إِلا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ:"يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [2] "وَقَالَ:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ [3] "ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ!» [4] .
وحديث ابْنَ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «لا تُقْبَلُ صَلاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ، وَلا صَدَقَةٌ مِنْ غُلُولٍ» [5] .
وحديث أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ [6] تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلا يَقْبلُ اللَّهُ إِلا الطَّيِّبَ، وَإِنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ، كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ [7] حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ» [8] .
ووجه الدلالة من هذه الأحاديث: أن فيها الأمر بالصدقة من الكسب الطيب الحلال، وتجنب الكسب الخبيث، وما فيه شبهة، فإذا كان مأمورًا به حتى في الأمور الصغيرة كالتمرة ونحوها، فكيف بالأمور الكبيرة كبناء المساجد الذي هو أعظم القربات، وأكمل وجوه الإنفاق في سبيل الطاعات.
••المناقشة:
يناقش بأن هذه الأحاديث فيمن يجوز المال ويتصدق به مع إمكان رده إلى صاحبه، أو يتصدق بهذه الأموال صدقة متقرب كما يتصدق بماله، فالله لا يقبل ذلك منه، وأما هنا فالدافع للمال يدفعه تخلصًا منه، ويدفعه متحرجًا متأثمًا، فهو بمنزلة من يؤدي الدين الذي عليه، وبمنزلة من يؤدي الأمانة إلى أصحابها، وليس هو من الصدقة الداخلة في عموم قوله:"لا تُقْبَلُ صَلاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ، وَلا صَدَقَةٌ مِنْ غُلُولٍ [9] " [10] .
4 -أن المساجد من أحب البلاد إلى اللَّه لما روى أَبو هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «أَحَبُّ الْبِلادِ إِلَى اللَّهِ مَسَاجِدُهَا، وَأَبْغَضُ الْبِلادِ إِلَى اللَّهِ
(1) انظر: مجموع الفتاوى: (29/ 263) ، وجامع العلوم والحكم: (1/ 267) .
(2) سورة المؤمنون، آية رقم: (51) .
(3) سورة البقرة، آية رقم: (172) .
(4) أخرجه مسلم في الزكاة، باب: قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها، (2/ 703) رقم: (1015) .
(5) سبق تخريجه: ص/.
(6) بعدل تمرة: أي بمثل تمرة.
انظر: غريب الحديث، للخطابي: (1/ 195) ، والنهاية: (3/ 191) .
(7) الفَلُوُّ: المهر الصغير، وقيل: هو الفطيم من أَولاد ذات الحافر.
انظر: النهاية: (3/ 474) ، ولسان العرب: مادة: «فلو» (15/ 162) .
(8) أخرجه البخاري في الزكاة، باب: الرياء في الصدقة، (2/ 511) رقم: (1344) ، ومسلم في الزكاة، باب: قبول الصدقة من الكسب الطيب، (2/ 702) رقم: (1014) .
(9) سبق تخريجه ص/.
(10) انظر: مجموع الفتاوى: (29/ 263) ، وجامع العلوم والحكم: (1/ 267) .