يناقش: بأن هذا كان قبل تحريم اتخاذ ما فيه صورة مطلقًا، وأن حديث النمرقة؛ ناسخ لهذا الحديث، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعائشة: «إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُعَذَّبُونَ، فَيُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ» [1] ، مع قولها له:"اشْتَرَيْتُهَا لَكَ؛ لِتَقْعُدَ عَلَيْهَا وَتَوَسَّدَهَا".
••الجواب:
أجيب: بأن هذه دعوى نسخ، ودعوى النسخ لا تصح في هذا الحديث لأمرين:
الأول: أن دعوى النسخ لا يصار إليها إلا مع تعذر الجمع بين الدليلين؛ لأنَّ إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما، وهنا يمكن حمل الحديث على ما يعلق وينصب بخلاف ما يداس، لأنَّ الأول فيه معنى التعظيم بخلاف الثاني [2] .
الثاني: أن النسخ لا بد فيه من معرفة المتقدم من المتأخر، وهنا لم يعلم، فلا يحكم بالنسخ.
2 -حديث أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «أَتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ أَتَيْتُكَ الْبَارِحَةَ، فَلَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَكُونَ دَخَلْتُ عَلَيْكَ الْبَيْتَ الَّذِي كُنْتَ فِيهِ إِلا أَنَّهُ كَانَ فِي بَابِ الْبَيْتِ تِمْثَالُ الرِّجَالِ، وَكَانَ فِي الْبَيْتِ قِرَامُ سِتْرٍ فِيهِ تَمَاثِيلُ، وَكَانَ فِي الْبَيْتِ كَلْبٌ، فَمُرْ بِرَاسِ التِّمْثَالِ الَّذِي بِالْبَابِ فَلْيُقْطَعْ فَلْيُصَيَّرْ كَهَيْئَةِ الشَّجَرَةِ، وَمُرْ بِالسِّتْرِ فَلْيُقْطَعْ وَيُجْعَلْ مِنْهُ وِسَادَتَيْنِ مُنْتَبَذَتَيْنِ يُوطَآَنِ، وَمُرْ بِالْكَلْبِ فَيُخْرَجْ» [3] .
ووجه الدلالة من الحديث: أن جبريل أمر النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - بقطع التماثيل، وجعلها مما يوطأ ويداس، وهذا يدل على أن إهانتها بالوطء تخرجها عن كونها محرمة [4] .
••المناقشة:
نوقش: أن جبريل أمر النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - بقطع هذا الستر، وهتكه، وهذا الفعل يزيل الصورة، فلما زالت الصورة زال المحذور، وأما جعلها وسائد، والارتفاق بها، فقد جاء بعد القطع، وليس فيه تصريح بأن التماثيل كانت باقية [5] .
••الجواب:
يجاب: بأن التصريح بكونها تماثيل مما يقوي أنها لا تزول بالكلية بالقطع، ولذا لابد من فعل آخر تزول به حرمتها، وهو إهانتها بجعلها وسائد توطأ وتداس.
3 -ما ورد عن السلف من آثار تفيد أنهم كانوا يرتفقون بالوسائد، والسجاجيد التي فيها الصور، ولولا أن جوازها مستقر عندهم لما أقدموا على هذا الفعل، لشدة ورعهم وخوفهم من اللَّه.
ومن هذه الآثار ما يلي:
أ- ما ورد عن سالم [6] بن عبد الله: أنه كان يتكئ على وسادة حمراء
(1) سبق تخريجه ص/.
(2) انظر: فتح الباري: (10/ 390) .
(3) سبق تخريجه: ص/.
(4) انظر: فتح الباري: (10/ 382) .
(5) انظر: التمهيد: (21/ 198) ، وفتح الباري: (10/ 390) .
(6) هو: أبو عمر سالم بن عبدالله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي المدني، العالم الثقة المحدث الثبت، سمع أباه وأبا هريرة، روى عنه الزهري ونافع وغيرهما، مات سنة: (106هـ) .
انظر: حلية الأولياء: (2/ 193) ، وسير أعلام النبلاء: (4/ 457) .