الفَصْل الثَّاني
التكييف القانوني والشرعي لظاهرة غسيل الأموال
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: التكييف القانوني لظاهرة غسيل الأموال
المبحث الثاني: التكييف الشرعي لظاهرة غسيل الأموال
تمثِّل ظاهرة غسيل الأموال ظاهرة جديدة على المستوى العالمي، وكأيِّ ظاهرة حديثة فإنه يصعب في البداية تكييفها، غير أن المحاولات الفقهية والقانونية ما فتئت تعمل على إيجاد تكييف مناسب لهذه الظاهرة، من حيث مدى تجريمها ثم من حيث إعطاء الوصف المناسب لها، وأخيرًا علاقتها بأنشطة غير مشروعة شبيهة بها كالإرهاب والفساد أو أنشظة مشروعة كالتوبة من المال الحرام التي قد تثير شبهة الاقتران بها.
ويقصد بالتكييف [1] تلك العملية الذهنية التي يراد من خلالها إنزال حكم الشَّرع أو القانون على الواقع، وهذا ما يعني إعطاء الفعل المرتكب الوصف المناسب الذي ينطبق عليه من بين كافَّة الأوصاف الأخرى [2] . فإذا ما انطبق أحد الأوصاف المبينة على الفعل المرتكب فإنه يجعل منه جريمة، وإذا لم ينطبق عليه الوصف صار الفعل مباحا غير مجرَّم، وفي ظل الشريعة الإسلامية فإن كلَّ تصرف أو فعل خالف ما أمرت به أو نهت عنه -على سبيل الحتم والإلزام - صار محرما لا يجوز ارتكابه.
لذلك كانت عملية التكييف إعمالا لمبدأ الشرعية، إذ لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص ينطبق ويتضمن الفعل المرتكب، وإلى هذا يشير قوله تبارك وتعالى: ... {مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (15) } [الإسراء: 15] ، وتنص المادة 01 من (ق. ع) الجزائري أنه:"لا جريمة ولا عقوبة أو تدابير أمن بغير قانون".
(1) تكييف الشيء في اللغة معناه: قطعه وجعل له كيفية معلومة، وكيفية الشيء: حاله وصفته
-مجمع اللغة العربية، المعجم الوسيط، مرجع سابق، ص 807
(2) شحاتة محمد نور عبد الهادي، سلطة التكييف في القانون الإجرائي، دار النهضة العربية، القاهرة، (د. ط) ، 1993، ص 05