تجلَّى من خلال الفصل السابق أن الشريعة الإسلامية نظرت إلى ظاهرة غسيل الأموال على أنها من الحرام الخبيث وجرّمتها بصفة مستقلة من أول وهلة بل وأهدرت كافة التصرفات السابقة أو اللاحقة عليها، كما أن هذه الظاهرة بمنظار الشريعة الإسلامية تعد خروجا على القيم والمبادئ , وانتهاكا صارخا لحرمات وحدود الله، ومن ثمَّ فهي لا تعدو كونها من الحيل الشيطانية التي يراد من خلالها نهب الأموال واستغفال العقول، ولذلك فهي مجرمة بكل المقاييس مهما كانت النية حسنة والمقصد نبيلا، (( فمن جمع مالا من ربا أو سحت أو لهو حرام أو قمار أو أي عمل محظور ليبني به مسجدا أو يقيم مشروعا خيريا .. أو .. أو .. لم يشفع له نبل قصده، فيرفع عنه وزره الحرام، فإن الحرام في الإسلام لا تؤثر فيه المقاصد والنيات ) ) [1] .
ومع ذلك فإن الشريعة الإسلامية أبقت الباب مفتوحًا أمام الجناة ليصححوا خطأهم وليتوبوا من وزر ما جنت أيديهم.
ولكن قد يُخيَّل لبعض الناس أن هناك تشابها بين التوبة من المال الحرام وظاهرة غسيل الأموال، فماهي حدود التوبة من المال الحرم؟، وكيف تبدو أطرها الصحيحة في زمن عمَّت فيه بلوى الكسب الحرام؟ وهل هناك من أوجه علاقة تجاذب أو تنافر بين نشاط التوبة ونشاط غسيل الأموال؟.
للتعرف على ذلك كلِّّْه نعقد المطلبين التاليين.
(1) القرضاوي يوسف، الحلال والحرام في الإسلام، مرجع سابق، ص 32