وفي إطار ما سبق فإن البحث عن عملية تكييف مناسبة لظاهرة غسيل الأموال ومدى انطباق النصوص القانونية الواردة في القانون الجزائي، يتطلب منا البحث في مدى تجريم ظاهرة غسيل الأموال، وهل الظاهرة تحتاج إلى قانون خاص بها كما هو الحال عليه في قانون 05 - 01، أم أن هذه الظاهرة - بحكم عالميتها وصعوبة علاجها - قد تدفع إلى إشكالات أخرى مما يستدعي غضَّ الطرف عنها والتعايش معها، وفي هذا السياق قد يُحتجُّ على عدم تجريم ظاهرة غسيل الأموال بما يلي:
-الحاجة إلى الاستثمارات الأجنبية: قد يقال بأن الدول الفقيرة تعاني من أزمات تنمية خانقة ومشاكل في البِنية التحتية والأسس النهضوية لها، بالتالي فوضعها الاقتصادي والاجتماعي المزري يُحتِّم عليها ألًا تعارض وجود الأموال المغسولة على أراضيها، ومن الممكن أن تحذو الدول النامية حذو كثير من الدول الأوروبية وغيرها التي تعادي ظاهرة غسيل الأموال في العلن وتصادقها في السرِّ كبعض الدُّول الأوربية التي تعتبر من أغنى دول العالم، ولكن غناها ما هو إلا ما تدرُّه عليها الأموال المهربة ونحوها.
ويُرَّد على هذا الاحتجاج بأن الاستثمارات الناجحة هي التي تجد مناخًا قانونيًا مُوائمًا لنشاطها الاقتصادي، بعكس التسيُّب وعدم الاِنضباط القانوني الذي يجعل الأموال الخارجية خائفةً ومذعورة.
ثم حتى لو جاءت الاستثمارات التي رؤوس أموالها غير مشروعة فإنها لا تستثمر إلا في الأنشطة الترفيهية والسياحية التي حتما ستضر بالتنمية الاقتصادية المتوازنة [1] .
-أصل الأموال المغسولة ارتكب في الخارج فلم الخوف إذن؟: ما دام أنَّ المال هو المال [2] ، فلا عبرة بكونه حلالا أو حراما، مشروعا أو غير مشروعا، ما كان يُوظَّف في خدمة اقتصاد البلد وتنمية المجتمع، ولا ضرر منه ما دام أن أصله غير المشروع ارتكب خارج البلد، فما الضير في الانتفاع به وبناء تنمية اقتصادية فعَّالة.
(1) عطية فياض، جريمة غسل الأموال في الفقه الإسلامي، مرجع سابق، ص 61
(2) محمد علي العريان، عمليات غسل الأموال وآليات مكافحتها، مرجع سابق، ص 285