لقد نبَّهت الشَّريعة الإسلامية من أول وهلة إلى خطورة الأموال المتحصلة من الجرائم قبل أن يفكر واضعو الأنظمة الحديثة في ذلك بقرون عديدة، وما ذلك إلا لأنها شريعة الله الخاتمة الخالدة الصالحة لكل زمان ومكان، وسوف تظهر قدرة هذه الشَّريعة لمن يدرك مواطن الأمور طالما بقي في الكون عرق ينبض ونفس تؤمن بالله تعالى وتعاليمه.
ولذلك حرمت الشَّريعة الإسلامية كل كسب خبيث، وفرضت على مقترفي الحرام عقوبات رادعة من شأنها تحقيق العدل والأمن.
وتعرف العقوبة بأنَّها (( جزاء وضعه الشَّارع للرَّدع عمَّا نهى الله عنه، وترك ما ... أمر به ) ) [1] .
وقد سارت أغلب القوانين الوضعية ومنها القانون الجزائري على تقسيم الجرائم إلى ثلاث أنواع وهي: الجنايات - الجنح - المخالفات.
وقد بني هذا التقسيم على مقدار العقوبة لا على ماهية الجريمة، وبالرغم من أنَّ المادة 27 من (ق. ع) قسمت الجرائم بحسب خطورتها كما هو واضح من نصها:"تقسم الجرائم تبعًا لخطورتها إلى جنايات وجنح ومخالفات"، إلاَّ أنَّ النظرة الاستقرائية لتفاصيل هذا القانون تنبؤنا بعدم جدوى هذا التقسيم بدليل ما مرَّ من العقوبات الهشَّة المرصودة في جريمة غسيل الأموال، ومن هنا فقد عنيت القوانين الوضعية بمحاربة الجريمة وأهملت المجرم، وفرَّقت في درجات العقوبة ولم تراع في ذلك التناسب بين العقوبة والجريمة، ولا شك أن مثل هذا يقلِّل من فرص العدل والإنصاف في المجتمع.
أمَّا الشَّريعة الإسلامية فإنَّها لم تفرق بين الجناية والجنحة وغيرها، ذلك أن مصطلح الجناية عند الفقهاء يرادف لفظ الجريمة [2] ، وأن أساس ومعيار الجريمة في الشَّريعة الإسلامية هي الجريمة بغض النظر عن كونها بتسمية القانون جناية أو جنحة أو مخالفة، أما في القانون
(1) بهنسي، أحمد فتحي، العقوبة في الفقه الإسلامي، دار الشروق، بيروت، لبنان، ط 5، 1983، ص 13
(2) عودة، التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي، مرجع سابق، (1/ 67)