ومما لاشك فيه أن هذا المفهوم الواسع للجريمة الأصلية يعد انتهاكا لمبدأ الشرعية حيث لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص، وبالتالي لا يستساغ إدخال ظاهرة غسيل الأموال في وصف جريمة إخفاء الأشياء غير المشروعة، لأن في ذلك (( تنكرًا لمبدأ التفسير المضيق للقاعدةالجنائية المجرمة، وهذا المبدأ يشكل دون شك أحد النتائج الهامة المترتبة على مبدأ الشرعية ) ) [1] .
وبناءً على ذلك فإن محاولات تكييف ظاهرة غسيل الأموال على أنها تتدرج ضمن وصف المساهمة الجنائية أو وصف جريمة الإخفاء للأشياء غير الشرعية، هذه المحاولات قاصرة ولا يمكن لها -برغم الخدمة التي قدمتها في فهم ظاهرة غسيل الأموال- البتَّة أن تستوعب ظاهرةً تتطور كل يوم بفعل الثورة التكنولوجية في العالم التي تسهم في تسهيل ارتكابها، ولذلك كان من الضروري إصدار تشريعات خاصة تتلافى القصورالذي لحق الكيوف الجنائية التقليدية.
من اللاَّفت للنظر أن النظرية العامة للجريمة لا يمكنها استيعاب الظواهر الجرمية الحديثة والمعقدة مثل ظاهرة غسيل الأموال، لذلك كان لامفرَّ من إيجاد مخرج لهذه المعضلة بتدخل المشرع عبر تشريع خاص يستوعب كافة مناحي هذه الظاهرة، وهو ما فعله المشرع الجزائري موازاةً مع بعض التشريعات المقارنة الأخرى، لذلك يحسن بنا قبل ذلك بيان أهمية وجود تشريع خاص ينتظم مختلف أوجه الظاهرة المرادة.
أولا: أهمية التشريع الخاص
يحقق سنُّ تشريعات خاصة لظاهرة غسيل الأموال مزايا عدة منها:
1 -حسم الخلاف الذي قد ينشأ بسبب تفسير النصوص الجنائية التقليدية التي لم تكن صادرة لمواجهة مثل هذه الظاهرة الحديثة والمعقدة والتي تمثل ظاهرة اقتصادية مصرفية [2] .
2 -وجود تشريع خاص بهذه الظاهرة من شأنه أن يستوعب كافة الظاهرة بتقرير جزاءات خاصة، مما يسمح بالتغلب على مختلف العقبات التي تثيرها هذه الظاهرة.
(1) عبد المنعم سليمان، مسؤولية المصرف الجنائية عن الأعمال غير النظيفة، المرجع السابق، ص 78
(2) عبد المنعم سليمان، مسؤولية المصرف الجنائية عن الأعمال غير النظيفة، المرجع السابق، ص 81