على أنه ينبغي التنبيه إلى أن هذا التفويض لولي الأمر في إيقاع العقوبة لا يعني أن يكون له مطلق الرأي لوحده فإن"السلطة المطلقة مفسدة مطلقة" [1] ، بل ُيطلب منه أن يتلمَّس آراء الحكماء والخبراء لتحقيق المصلحة العامة للمسلمين، وإقامة شريعة ربِّ العالمين.
ومما سبق يمكن أن نطلق على العقوبات التي رتبها المشرِّع الجزائري على جريمة غسيل الأموال بأنها عقوبات تعزيرية معتبرة شرعًا، غير أنه يلاحظ عليها قصورها وعدم شمولها لكافة صور الجرائم وعدم فاعليتها في بعض الأحيان لتساهلها مع هذا الصنف من المجرمين الخطرين.
وعليه فيمكن أن نقسم العقوبات الشرعية إلى نوعين من العقوبات، تكون أعلاما مرشدة لنوع العقاب الزاجر والرادع في هذا النوع من الجرائم.
جريمة غسيل الأموال من الجرائم التعزيرية التي ليس فيها تقدير محدَّد من الكتاب أو ... السنَّة، وإنما هي متروكة لاجتهاد ذوي الرأي والفطنة من أولياء الأمور والقضاة وتقرير العقوبات المناسبة والتدبير الملائمة، فإذا رأى ولي الأمر استفحال هذه الظاهرة وشيوعها فلا مانع شرعا من القسوة والغلظة في العقوبة.
وهنا ينبغي عليه أن لا يضع عقوبة واحدة لهذه الظاهرة، بل عليه أن يفرق بين المصادر المختلفة لهذه الجريمة، أو الجريمة الأولية لها، فما كان مصدره تجارة المخدرات أو الجوسسة أو التجارة في البشر أو نحو ذلك، تختلف عقوبته عما إذا كانت جريمة غسيل الأموال آتية من مجرد إخفاء بسيط لأموال محرمة فالعقوبة الصارمة تلاحظ بحسب الجريمة الأصلية لظاهرة غسيل الأموال، على أننا نذكر طائفة من العقوبات الشرعية التي يمكن الاسترشاد بها في هذا المجال لمكافحة جريمة غسيل الأموال مكافحة ناجعة وفعالة.
(1) سالم توفيق النجفي، دراسة حالة العراق تحت الاحتلال، ندوة الفساد والحكم الصالح، مرجع سابق، ص 807