الثاني أنَّ المورث الذي ترك هذه الأموال ومصدرها غسيل الأموال تعتبر بمثابة دين في ذمَّته , ولا يصح تقسيم التركة إلا بعد تسديد دُيون المورث فإن استغرقت الديون التركة فلا ميراث للورثة , وإن كانوا فقراء محتاجين ساغ لهم أن يأخذوا من هذا المال على سبيل الصدقة عن أهل التباعات لا على سبيل الميراث عن مُورثهم [1] . هذا الذي قلناه في ميراث غسيل الأموال في حالة ما إذا لم يصل خبرٌ بذلك إلى السلطات المعنية بأن كان الوارث لا يستطيع التبليغ , أو لم يكن على علم بالنصوص القانونية المجرمة أو نحو ذلك -كما سيأتي بيانه - ,أمَّا إذا كان العكس فلا شكَّ أن السلطات المُخوَّلة قانونًا هي الأحق بتولِّي هذه الأموال ومصادرتها وبالتالي إنفاقها في المصالح العامة أو نحو ذلك , ولا يحق للوارث أن يمسك منها شيئا لا يصح له تملكه لها من وجهين؛ من الوجهة الشرعية: فهي حرام لا يجوز تملكه أو ميراثه، ومن الوجهة القانونية: لا يصح منه ذلك وإلا عُدَّ مّساهمًا إذا كان عن علم ومعرفة.
بلغ من رعاية الإسلام للأموال واحترامه لها أن حرَّم حيازة الكسب الحرام بأي طريقة كانت، بل وبلغ تشديده وتحذيره حتى من مجرد التصرف في الأموال الحرام - ومنها غسيل الأموال - بأي نوع من أنواع التصرف.
ويقصد بالتصرُّف هنا (( ما يصدر عن الشخص بإرادته ويرتب عليه الشرع أحكاما مختلفة ) ) [2] سواء كان هذا التصرف بنقل الأموال والتعامل مع أصحابها , أو تحويلها من شكل إلى شكل كالاستثمارات المختلفة.
وسيتم التعرض لهاتين النقطتين كما يلي:
1 -التصرف في المال الحرام بالاستثمارات [3]
(1) ابن رشد , فتاوى ابن رشد، مرجع سابق، ص 642
(2) الموسوعة الفقهية , مرجع سابق، (12/ 71)
(3) عطية فياض، جريمة غسل الأموال في الفقه الإسلامي، مرجع سابق، ص 271 وما بعدها