تعتبر هذه المسألة من أكثر المسائل وقوعًا، فكثيرًا ما يلجأ غاسل الأموال إلى استثمار عوائده الإجرامية في مختلف أنواع الاستثمار ليبدو في الظاهر كمستثمر وهو حقيقة الأمر يريد إخفاء مصدره الجرمي التي أتت منه ذلك الأموال، كأن يأتي مرابٍِ أو تاجر مخدرات أو بغي فيقيم مشاريع استثمارية كمؤسسات أو محلات أو مساكن للتمويه على الناس والتغطية على ماله الحرام.
ولا يخفى أن أصل هذه الاستثمارات هو تلك العوائد الإجرامية من اختلاس أو رشوة أو ربا أو إرهاب أو نحو ذلك وهي بلا شك محرَّمة ومجرَّمة. لأن الاستثمار الحقيقي لا يكون إلا بالحلال الطيِّب، وحتَّى (( يكون الاستثمار حلالايشترط في المال المستثمر أن يكون مملوكا ملكا مشروعا للمستثمر , أو لمن كان المستثمر نائبا عنه نيابة شرعية أو تعاقدية , فإن لم يكن كذلك لم يحِلَّ استثماره، كالمال المغصوب أو المسروق , وكذلك لا يحِلُّ استثمار الوديعة ,لأن يد الوديع يد حفظ ) ) [1]
ولا يخفى أن ما حصل من نماء وفوائد لهذه الأموال الحرام، فهي تتبع أصلها - كما سيأتي - ولا تسمى استثمارًا إلا من باب التجوُّز ومن باب ما أتت إليه أصول تلك الأموال لا من باب الخدمة التي أداها المجرم والتصرف الذي تصرفه فيها.
وبالتالي فاستثمار الأموال المحرمة لا يجوز ولا يصح , بل هو أخبث من أصل الجريمة الأولى , وذلك من وجهين:
أ- الوجه الأول: أنه لا قيمة للمال الحرام وما نتج عنه ولا أهمية له، ذلك أنه (( إذا بطل الشيء بطل ما في ضمنه ) ) [2] ، و (( إذا سقط الأصل سقط الفرع ) ) [3] ، وبالتالي فإذا كان الأصل حراما وخبيثا ففرعه كذلك وهو الاستثمار في دلك الأصل، فتكون (( حرمة التصرف فيه أشدّ لأن الواجب ردّ المال لأصحابه , والتصرف فيه يناقض هذا
(1) الموسوعة الفقهية، مرجع سابق، (3/ 183)
(2) البورنو، محمد صدقي بن أحمد، موسوعة القواعد الفقهية، مكتبة التوبة، الرياض، السعودية، ط 1، 1997, (1/ 269)
(3) البورنو , موسوعة القواعد الفقهية، المرجع السابق، (1/ 171)