وسئل ابن تيمية [1] (( عن رجل مُراب خلَّف مالا وولدًا وهو يعلم بحاله , فهل يكون حلالا للولد بالميراث أولا؟ فأجاب: إما أن يردَّه إلى أصحابه إن أمكن وإلاَّ يتصدق بالباقي لا يحرم عليه , لكن القدر المشتبه يستحب له تركه إذا لم يجب صرفه في قضاء دين أو نفقة عيال ) ) [2] ، ويظهر من كلام ابن تيمية أنَّ الوارث في حال علمه بحرمة مال مُورثه أنَّه لا يحِلُّ له بل يجب عليه إخراجه والتخلص منه , بل حتى لما شكَّ فيه فإنَّ الأولى له أن لا يأخذه إلا في قضاء دين أو نفقة.
والرَّاجح من القولين هو القول الثاني الذي عليه الجمهور وهو القول الذي تستسيغه الأدلة والقواعد الشرعية التي تحفظ أموال الناس وتجعلها معصومة من الاعتداء عليها , وتسُدُّ باب المتلاعبين الذين يُخيَّل إليهم أنَّ الميراث يحلِّل لهم الحرام فيشجعون مُورثهم على الاستزادة منه من غير وعي أو ضمير [3] .
ومن خلال ما سبق نستطيع القول بأنَّ ميراث غسيل الأموال لا يصحُّ ولا يجوز لأنها محرمة قطعا , وقد ثبت أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن أيتام ورثوا خمرًا، ماذا يصنع بها؟ فقال «أهرقها ,قال: أفلا أجعلها خلاًّ؟ قال: لا» [4] ، ووجه الدّلالة من الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يُبح لهؤلاء الورثة تملُّك الخمر وهي حرام , وأمرهم بإهرا قها , حتى لمَّا سئل عن تحويلها إلى خلّ لم يأذن لهم رُغم حاجتهم إليها كأيتام , وكذلك فإن أموال عمليات غسيل الأموال لا يصح تملُّكها من الوارث ولو بدعوى تحويلها أو تغيرها عن شكلها الأصلي , والأمر
(1) شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي، ولد سنة 661 هـ، أقبل على العلوم في صغره فعني بعلوم الإسلام المختلفة، حتى كان من بحور العلم، من آثاره المشهورة: مجموع الفتاوى والفتاوى الكبرى والسياسة الشرعية وغيرها. توفي 728 هـ.
-ابن العماد أبي الفلاح عبد الحي، شذرات الذهب في أخبار من ذهب، دار إحياء التراث العربي، بيروت، (د. ط) ، (د. ت) ، (6/ 80 - 88)
(2) ابن تيمية , مجموع الفتاوى، مرجع سابق، (29/ 307)
(3) عطية فياض، جريمة غسل الأموال في الفقه الإسلامي، مرجع سابق، ص 249
(4) رواه أبو داود , كتاب الأشربة، باب ما جاء في الخمر تخلل , رقم الحديث 3658 - عون المعبود شرح سنن أبي داود، تحقيق عبد الرحمن محمد عثمان، المكتبة السلفية، المدينة المنورة، السعودية، ط 2، 1969، (10/ 113)