ثانيًا: الجواب على ما استدل به بعضهم من أن القرآن كلام الله، وكلامه معنى واحد قائم بالنفس لا يتعدد ولا يتبعَّض ولا يتفاضل.
قال شيخ الإسلام:
وجمهور العقلاء يقولون: فساد هذا معلوم بالاضطرار، فإنا نعلم أن معاني
{هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ليست هي معاني {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ} ، ولامعاني آية الدين معاني آية الكرسي، ولا معاني الخبر عن صفات الله هي معاني الخبر عن مخلوقات الله، بل لا يميز بين خبر الله عن نفسه وعن قوم نوح وعاد، إذ كان المعنى الواحد لا تعدد فيه فضلا عن أن يمتاز بعضه عن بعض ....
فمن قال إن صفات الرب لا تتعدد، فهو يقول العلم هو القدرة، والقدرة هي الإرادة، والسمع والبصر هو العلم، وقد يقول بعضهم: أيضا العلم هو الكلام، ويقول آخرون: العلم والقدرة هو الإرادة، ثم قد يقولون: إن الصفة هي الموصوف؛ فالعلم هو العالم، والقدرة هي القادر، وهذه الأقوال صرح بها نفاة الصفات من الفلاسفة والجهمية ونحوهم، كما حكيت ألفاظهم في غير هذا الموضع. ومعلوم أن في هذه الأقوال من مخالفة المعقول الصريح والمنقول الصحيح بل مخالفة المعلوم بالاضطرار للعقلاء والمعلوم بالاضطرار من دين الإسلام ودين الرسل ما يبين أنها في غاية الفساد شرعًا وعقلا ً
ثم لما اعتقد هؤلاء أن التفاضل في صفات الله ممتنع ظنوا أن القول بتفضيل بعض كلامه على بعض لا يمكن إلا على قول الجهمية من المعتزلة وغيرهم القائلين بأنه مخلوق، فإنه إذا قيل إنه مخلوق أمكن القول بتفضيل بعض المخلوقات على بعض، فيجوز أن يكون بعضه أفضل من بعض، قالوا: وأما على قول أهل السنة والجماعة الذين أجمعوا على أن القرآن كلام الله غير مخلوق فيمتنع أن يقع التفاضل في صفات الله القائمة بذاته ....
وقول من قال صفات الله لا تتفاضل ونحو ذلك قول لا دليل عليه بل هو مورد النزاع
وصفة الموصوف من العلم والإرادة والقدرة والكلام والرضا والغضب وغير ذلك من الصفات تتفاضل من وجهين؛ أحدهما: أن بعض الصفات أفضل من بعض، وأدخل في كل الموصوف بها، فإنا نعلم أن اتصاف العبد بالعلم والقدرة والرحمة أفضل من اتصافه بضد ذلك، لكن الله تعالى لا يوصف بضد ذلك، ولا يوصف إلا بصفات الكمال، وله الأسماء الحسنى يدعى بها، فلا يدعى إلا بأسمائه الحسنى، وأسماؤه متضمنة لصفاته، وبعض أسمائه أفضل من بعض و أدخل في كمال الموصوف بها، ولهذا في الدعاء المأثور (أسألك باسمك العظيم الأعظم الكبير الأكبر) و (