الدراسة:
قد أجاب الشيخ على هذا التعليل الذي هو في حقيقته شبهة وقعت في قلوب هؤلاء، فهم فروا من موافقة الجهمية والمعتزلة القائلين بخلق القرآن إلى الوقوع في هذه البدعة، فقالوا: كلام الله واحد بالعين لا يتبعَّض ولا يتعدَّد ولا يتماثل ولا يتفاضل، وهو معنى قائم بالنفس.
=وفساد هذا معلوم بالاضطرار فإنا نعلم أن معاني {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ليست هي معاني {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ} ، ولا معاني آية الدَّين هي معاني آية الكرسي، ولا معاني الخبر عن صفات الله هي معاني الخبر عن مخلوقاته+ [1] .
وقد قرر الشيخ أن القول بأن معاني كتاب الله شيء واحد لا يتعدد ولا يتبعَّض ولا يتفاضل يلزم منه لوازم فاسدة.
فيلزم منه أن معنى آية الكرسي، وآية الدين، والفاتحة، وقل هو الله أحد، وتبَّت، ومعنى التوارة والإنجيل، وكل حديث إلهي، وكل ما يكلم به الرب عباده يوم القيامة، وكل ما يكلم به الملائكة والأنبياء إنما هي معنى واحد [2] .
و قرر الشيخ أن الصفات تتفاضل من وجهين:
أحدهما: أن بعض الصفات أفضل من بعض، وأدْخَل في كمال الموصوف بها، فصفة الرحمة أفضل من صفة الغضب، فتفاضل الأسماء والصفات من الأمور البينات.
والثاني: أن الصفة الواحدة قد تتفاضل، فتكليم الله لبعض عباده أكمل من تكليمه لبعض، والرضا عن النبيين أعظم من الرضا عن غيرهم، والرحمة لهم أكمل من الرحمة لغيرهم.
ثالثًا: الجواب عن تأويلهم للنصوص الواردة في التفضيل:
أ) الجواب عن قولهم أن الخيرية المذكورة في قوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} [3] لا ترجع إلى الآية ذاتها، وإنما إلى متعلقها وهو المكلف والعامل، فمعنى {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا} أي نأت بخير منها لكم لا أنها خير من تلك، من جهة كونها أخف عملًا أو أشق وأكثر ثوابًا.
قال شيخ الإسلام:
لا يجوز أن يراد بالخير من جهة كونه أخف عملا أو أشق وأكثر ثوابا لأن هذين الوصفين ثابتان لكل ما أمر الله به مبتدأ وناسخا، فإنه إما
(1) ينظر: مجموع الفتاوى (17/ 71) .
(2) ينظر: مجموع الفتاوى (17/ 70) .
(3) سورة البقرة، الآية: 106.