الدراسة:
1 -ذهب بعض من منع التفضيل إلى تأويل ما ورد في النصوص من التفضيل كقوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} [1] قالوا: إن الخيرية المذكورة في الآية الكريمة لا ترجع إلى الآية ذاتها، وإنما إلى متعلقها وهو المكلف والعامل، فمعنى {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا} أي نأت بخير منها لكم لا أنها خير من تلك من جهة كونها أخف عملًا أو أشق وأكثر ثوابًا.
وجواب الشيخ على هذا التأويل:
1 -أن تأويل الخيرية بالأخف والأيسر أو بالمشقة مع كثرة الثواب أمر يشترك فيه كل ما أمر الله به ابتداء ونسخًا، فإنه إما أن يكون أيسر من غيره في الدنيا وإما أن يكون أشق فيكون ثوابه أكثر، فإذا كانت هذه الصفة لازمة لجميع الأحكام لم يحسن أن يقال ما ننسخ من حكم نأت بخير منه أو مثله، فإن المنسوخ أيضًا يكون خيرًا ومثلًا بهذا الاعتبار، فإنهم إن فسروا الخير بكونه أسهل فقد يكون المنسوخ أسهل فيكون خيرًا، وإن فسَّروه بكونه أعظم أجرًا لمشقته فقد يكون المنسوخ كذلك، والله قد أخبر أنه لا بد من أن يأتي بخير مما ينسخه أو مثله، فلا يأتي بما هو دونه، وأيضًا فعلى ما قالوه لا يكون شيء خيرًا من شيء، بل إن كان خيرًا من جهة السهولة فذلك خير من جهة كثرة الأجر [2] .
2 -أن تفسير الخيرية بكثرة الأجر والثواب دال على أنه خير وأفضل في نفسه، وما كان خيرًا في نفسه فهو خير وأفضل من غيره، إذ يمتنع التفضيل بالثواب والأجر مع التساوي بين المفضل والمفضل عليه، فإن هذا ممتنع عقلًا وشرعًا، فهذا بمنزلة من جعل عملين متساويين وثواب أحدهما أضعاف ثواب الآخر [3] .
وثمة أجوبة أخرى - على هذا التأويل - نقلها الشيخ عن ابن عقيل وغيره:
1 -أن قولهم: أن الخير يرجع إلى ما يخصنا من سهولة أو ثواب لا يصح؛ لأنه لو أراد ذلك لقال: =لكم+ فلما حذف ذلك دلَّ على ما تقتضيه الأخلاق وهو كون الناسخ خيرًا من جهة نفسه وذاته ومن جهة الانتفاع به في العاجل والآجل [4] .
2 -أن قصرية =الخيرية+ على ما ينفع المكلف صرف للآية عن ظاهرها بدون صارف، وتحكم لا دليل عليه، فإن الله قال: {بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} ، وهذا
(1) سورة البقرة، الآية: 106.
(2) مجموع الفتاوى (17/ 48) .
(3) ينظر: المصدر السابق (17/ 169، 210) .
(4) ينظر: الواضح في أصول الفقه (4/ 261) .