وعى ما قال.
وهذه الصورة أشد الصور على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفيها يأتيه جبريل على صورته الملكية ولكنه لايراه، ويعرف مجيئه بهذا الصوت الذي يشبه صوت الجرس، أو يكون له دوي كدوي النحل كما في بعض الأحاديث.
وقد دلّ على هذه الصورة أحاديث منها:
حديث عائشة الذي سأل الحارث بن هشام فيه النبي - صلى الله عليه وسلم: كيف يأتيك الوحي؟ قال: (أحيانًا يأتيني في مثل صلصلة الجرس، وهو أشده عليّ، فيفصم عني وقد وعيت ما قال ... ) الحديث [1] .
وعن عمر بن الخطاب قال: كان إذا نزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الوحي نسمع عند وجهه كدويّ النحل [2] ، فمكثنا ساعة، فاستقبل ورفع يديه، فقال: (اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولاتهنّا، وأعطنا ولاتحرمنا، وآثرنا ولا تُؤثر علينا، وأرضنا وارض عنا، ثُمَّ قال:(أنزل عليّ عشر آيات من أقامهن دخل الجنة) ثُمَّ قرأ: ژ ? ? ? ژ [3] حتى ختم عشر آيات [4] .
وقد قرر ابن حجر أنه لا تعارض بين كون الوحي يأتيه على مثل صلصلة الجرس، وكونه يُسمع له صوت كدوي النحل؛ لأن سماع الدوي بالنسبة للحاضرين - كما في حديث عمر - حيث قال: يُسمع عند وجهه كدوي النحل، والصلصلة بالنسبة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فشبهه عمر بدوي النحل بالنسبة إلى السامعين، وشبهه هو - صلى الله عليه وسلم - بصلصلة الجرس بالنسبة إلى مقامه، [5] .
وهذه الصورة من صور الوحي هي التي نزل القرآن بها على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
ولا يعني هذا أن غير القرآن لا ينزل بالصور المذكورة في حديث عائشة، بل هو ينزل بها وبغيرها، قال الحافظ ابن حجر: (والظاهر أن نزول الوحي بهذه الكيفية لايختص بالقرآن كما يدل على ذلك حديث يعلى بن أمية في قصة لابس الجبة المتضمخ بالطيب في الحج، فإن فيه أنه رآه - صلى الله عليه وسلم - حال
(1) سبق تخريجه.
(2) دوي النحل هو ما يُسمع منه إذا تجمع. ينظر: معجم مقاييس اللغة لابن فارس (2/ 309) .
(3) سورة المؤمنون، الآية: 1.
(4) أخرجه الإمام أحمد في المسند (1/ 255، 256) ح (223) بتحقيق أحمد شاكر وقال: إسناده صحيح، والترمذي في كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة المؤمنين (5/ 305) ح (3073) ، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، المستدرك 1/ 717، ح (1961) ، ورواه البغوي في شرح السنة وقال: هذا حديث حسن (5/ 177) ، وفي صحة الحديث اختلاف بين المحدثين ذكره أحمد شاكر في تحقيقه على المسند (1/ 255، 256) ، وينظر: ضعيف الجامع الصغير وزيادته للألباني ح (1208) .
(5) ينظر: فتح الباري شرح صحيح البخاري (1/ 27) .