الاعتراض الأول:
رد هذه الآثار لكونها غير متواترة، وأن هذه المسألة غيبية عقدية، وأنه لا يؤخذ في الغيبيات إلا بالأخبار المتواترة، فصحة الإسناد لا تكفي وحدها لوجوب اعتقاده.
قال شيخ الأزهر محمد عبده:"إن ما جاء من الآثار الدالة على نزوله جملة واحدة إلى بيت العزة في السماء الدنيا، مما لا يصح الاعتماد عليه، لعدم تواتر خبره عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأنه لا يجوز الأخذ بالظن في عقيدة مثل هذه، وإلا كان اتباعًا للظن" [1] .
ونحوه قال تلميذه الشيخ محمد رشيد رضا [2] ، وقال الدكتور صبحي الصالح:"ولسنا نميل إلى الرأي القائل: إن للقرآن تنزلات ثلاثة، الأول إلى اللوح المحفوظ، والثاني إلى بيت العزة، والثالث تفريقه منجمًا بحسب الحوادث، وإن كانت أسانيد هذا الرأي كلها صحيحة؛ لأن هذه التنزلات المذكورة من عالم الغيب الذي لا يؤخذ فيه إلا بما تواتر يقينًا في الكتاب والسنة، فصحة الأسانيد في هذا القول لا تكفي وحدها لوجوب اعتقاده، فكيف وقد نطق القرآن بخلافه" [3] .
الجواب على هذا الاعتراض:
يجاب على هذا الاعتراض بأن ما ذكروه من أن المسائل العقدية لا يقبل فيها إلا ما كان من الأخبار المتواترة أمر لا يُسلِّم، وعدم الاستدلال بأحاديث الآحاد على العقائد غير صحيح؛ لأن العبرة بصحة الحديث، فمتى ما صح الحديث احتج به سواء كان آحادًا أم متواترًا، وسواء كان في الأحكام أم العقائد [4] .
الاعتراض الثاني:
وهو كسابقه يرى صحة هذه الآثار، إلا أنه لا يأخذ بها، لكون ابن عباس رضي الله عنهما قد ثبت عنه الأخذ بالإسرائيليات، وبالتالي لا يكون لهذه الآثار حكم الرفع لعدم توفر شرط عدم الأخذ عن الإسرائيليات.
يقول الدكتور إبراهيم خليفة:"أقول أقصى وأعظم ما استمسك به أصحاب هذا القول هو الآثار التي مدار الأمر فيها جميعًا على ابن عباس رضي الله عنهما، وأن حق هذه الآثار أن تعطى حكم المرفوع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، ونحن لا ننازعهم أولًا في ثبوت هذه الآثار عن ابن عباس رضي الله عنهما، ولا ننازعهم ثانيًا في توفر أحد الشرطين بالفعل هنا، وهو كون قول"
(1) تفسير جزء عم للشيخ محمد عبده (ص 132) .
(2) تفسير المنار لمحمد رشيد رضا (2/ 161) .
(3) مباحث في علوم القرآن، د. صبحي الصالح (ص 51) .
(4) ينظر: المسودة لآل تيمية (1/ 476) ، المدخل لأبي شهبة (ص 54) ، نزول القرآن الكريم للشايع (ص 39) .