فهل يقال بعد هذا الأثر الصحيح عنه يقال: إن ابن عباس رضي الله عنهما ممن عُرف بالأخذ من الإسرائيليات، ثم لو سلم جدلًا بأن ابن عباس رضي الله عنهما ممن عُرف بالأخذ من الإسرائيليات، فإن هذا لا يطعن في هذه الآثار؛ إذ ليست من الإسرائيليات في شيء، فإنها تتعلق بالكتاب المنزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأنه قد نزل ليلة القدر بعد بعثة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فعن من يأخذ هذا من بني إسرائيل؟! وأي صلة بين هذه الروايات وبين بني إسرائيل؟!.
الاعتراض الثالث:
هو الطعن في صحة هذه الآثار، بل ويحكم أنها دسيسة اعتزالية للقول بخلق القرآن؛ لأنه يفهم منها أن جبريل - عليه السلام - لم ينزل به من عند الله عزّ وجل، وإنما نزل به من السماء الدنيا على النبي - صلى الله عليه وسلم -.
فقد ضعف هذه الآثار فضيلة الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين.
-رحمه الله - لكونها تخالف ما هو مقرر عند أهل السنة والجماعة، من أن الله سبحانه يتكلم بالقرآن حين إنزاله على الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
حيث قال:"والأدلة على خلافه أن الله سبحانه يتكلم بالقرآن حين إنزاله على محمد - صلى الله عليه وسلم - ... ، فهذا الذي يجعلني أشك في صحة الحديث المروي عن ابن عباس رضي الله عنه وعن أبيه أن القرآن نزل جملة واحدة إلى السماء الدنيا في بيت العزة، وهذا يحتاج إلى أحاديث صحيحة لا نشك فيها حتى نضطر إلى تأويل الآيات التي تدل على أن القرآن نزل بعد حدوث الحوادث التي يتكلم الله عنها" [1] .
الجواب على هذا الاعتراض:
يجاب عن هذا الاعتراض بأن تضعيف هذه الآثار وإبطالها بناءً على ما فهم من أن هذه الآثار تفضي إلى القول بأن جبريل عليه السلام قد أخذ القرآن من اللوح المحفوظ أو من بيت العزة عند نزوله به على الرسول - صلى الله عليه وسلم - من دون سماع من الله عزّ وجل، وليس في هذه الآثار المفسرة والمفصلة لنزول القرآن جملة ما يدل على هذا، بل هي بمجموعها تدل على خلاف ما فهم.
فقد جاء في بعض الروايات عن ابن عباس رضي الله عنهما ما يدل على أن جبريل - عليه السلام - نزل به من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا في ليلة القدر، ثم إذا أراد الله أن يوحي منه شيئًا أنزله على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بواسطة جبريل.
ومن هذه الروايات:
1 ـ ما رواه عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: أنزل
(1) اللقاء الشهري للشيخ العثيمين (3) (ص 31) ، وينظر: تفسير القرآن الكريم (سورة البقرة) للعثيمين (2/ 333) .