للتذكير والموعظة لا تنقطع، فهل كلما دعت حاجة إلى التذكير اقتضى الأمر النزول؟ هذا لا يقال، وإن قال بتكرر النزول.
وأما قولهم: إن في تكرر النزول تعظيمًا لشأن المنزل.
فالجواب أن يقال: المنزّل لا يفتقر للتكرار حتى يكون عظيمًا بل يكفيه تعظيمًا وتشريفًا أنه كلام الله - عز وجل - فهذا أعظم شرف للقرآن.
وبهذا يتبين أن التكرر في النزول لا يدل على تعظيم المنزّل، بل التعظيم حاصل بنزوله فقط مرة واحدة. والله أعلم.
وأما قولهم: إن في تكرر النزول تذكيرًا لرسول الله ^ بها خوف نسيانه.
فالجواب عنه، بأن هذا خلاف ما ثبت من تكلف الله بحفظ النبي ^ للقرآن الكريم، كما قال تعالى: ژ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ژ [1] .
فقول الزركشي: =قد ينزل الشيء مرتين تعظيمًا لشأنه وتذكيرًا به عند حدوث سببه خوف نسيانه+ لا يخلو من أمرين:
الأول: إن أراد أن النسيان واقع من الصحابة - رضي الله عنهم - فرسول الله ^ بين أظهرهم يذكرهم بكتاب الله، وحينئذ تنتفي الحاجة للتكرار.
الثاني: إن أراد أن النسيان واقع من رسول الله ^ فهذا عين الخطأ والخطر، والله المستعان.
أما استدلالهم ببعض الروايات على تكرر النزول لتعارضها في الظاهر فيمكن مناقشتها.
أولًا: الفاتحة فقد ذهب بعض أهل العلم إلى نزولها مرتين ظنًا منهم إلى أنها نزلت مرة في مكة، ومرة في المدينة.
وقد استدل على نزولها بمكة بأن الله ذكرها في سورة الحجر بقوله: ژ ? ? ? ? ? ? ? ژ [2] . ومما يدل على أن المراد بالآية هنا سورة الفاتحة ما روى البخاري عن أبي سعيد بن المعلى قال: كنت أصلي في المسجد، فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أجبه، فقلت: يا رسول الله، إني كنت أصلي فقال: (ألم يقل الله: ژ ? ? ? ? ? ? ? ژ ثم قال لي:(لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد) ثم أخذ بيدي، فلما أراد أن يخرج، قلت له: ألم تقل: لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن. قال: (الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيته) [3] .
وجه الدلالة من الحديث على أنها مكية أن الله تعالى ذكر إيتاءها رسوله
(1) سورة القيامة، الآيتان: 17، 18.
(2) سورة الحجر، الآية: 87.
(3) أخرجه البخاري، كتاب التفسير، باب ما جاء في فاتحة الكتاب (4/ 1623) ح (4204) .