بمفهوم قوله ^: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث) [1] .
وكذلك تخصيص عموم قوله ^: (جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا) [2] ، بمفهوم قوله ^: (جعلت لي كل أرض طيبة مسجدًا وطهورًا) [3] ، فلا تكون الأرض الخبيثة مسجدًا ولا طهورًا [4] .
وقد وصف شيخ الإسلام هذه المسألة بـ: =أنها ذات شعب كثيرة، وهي متصلة بمسألة =المطلق والمقيد+، وهي غمرة من غمرات أصول الفقه، وقد اشتبهت أنواعها على كثير من السابحين فيه+ [5] .
وحرّر شيخ الإسلام محل النزاع في مسألة تخصيص العام بالمفهوم على النحو التالي:
قسّم - رحمه الله تعالى - تقابل المفهوم مع العام ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أن يكون العام والمفهوم في كلام واحد متصل بعضه ببعض.
كما لو قال: =في كل خمس من الإبل شاة إذا كانت الإبل سائمة+، وكقول الموصي: وصيت بهذا المال للعلماء يعطون منه إذا كانوا فقراء.
ففي هذا القسم حكى شيخ الإسلام الاتفاق بين القائلين بالمفهوم، ونفاته، على أن العموم في صدر الكلام لا يؤخذ به مراعاة للقيد المذكور في الكلام.
فالكلام المذكور في المثالين السابقين إنما تضمن وجوب شاة واحدة في كل خمس من الإبل السائمة، وأن العلماء الفقراء يعطون من المال [6] ، =لكن نفاة المفهوم يقولون: لم يُتعرَّض لما سوى ذلك بنفي ولا إثبات فنحن ننفيه بالأصل إلا أن يقوم دليل ناقل عن الأصل، والجمهور يقولون: بل ننفيه بدليل هذا الخطاب الموافق للأصل+ [7] .
القسم الثاني: أن يكون العام والمفهوم في كلام متكلمين لا يجب اتحاد مقصودهما، كأن يقول شاهدان: إن جميع الدار لزيد، ويقول آخران: إن
(1) مجموع الفتاوى (13/ 106، 107) .
(2) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الصلاة (8) ، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا (56) برقم (438) .
(3) رواه الخطابي من حديث حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس. ذكر ذلك شيخ الإسلام في شرح العمدة، الجزء الثاني من أول كتاب الصلاة ص:403.
وذكر الألباني أن الحديث رواه الجارود بهذا اللفظ. إرواء الغليل (1/ 181) . والحديث صححه شيخ الإسلام.
وأخرجه مسلم في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله بلفظ: =وجعلت لي الأرض طيبة طهورًا ومسجدًا+. في كتاب المساجد ومواضع الصلاة (5) برقم (521) .
(4) مجموع الفتاوى (31/ 107) .
(5) مجموع الفتاوى (31/ 108) .
(6) مجموع الفتاوى (31/ 108، 109) .
(7) مجموع الفتاوى (31/ 109) .