تأخيره أكثر من ذلك يفضي إلى نسيان القرآن والتهاون به، وهذا ما لم يكن عذر فأما مع العذر فواسع له [1] .
ورأى آخرون أنه ليس في الحديث ما يدل على كراهة الختم في أكثر من أربعين، فدلالة الحديث ليست حاصرة حتى يكون ما عداها ليس من السنة، فالتوقيت لم يكن لبيان أقصى ما يختم به القرآن، وإنما كان توجيهًا لعبدالله بن عمرو للتأنِّي في التلاوة وأخذ النَّفس بالرفق، وغاية ما يدل عليه الحديث أن ذلك كان حالة من حالاته، أو أنه كان الغالب منها [2] ، وهو كما قالوا، إذ ليس في الحديث ما يدل على أن الأربعين خرجت مخرج التحديد لأكثر مدة الختم، ولا فيه دلالة على كراهية ختمه في أكثر من أربعين يومًا.
وترك الختم إلى ما فوق الأربعين لا ينبغي ما وجد المسلم إليه سبيلًا؛ لعظيم ما يفوته من تدبُّر القرآن والتذكّر به، وزيادة الإيمان ومضاعفة الأجر، إلا أن يشغل بما هو أولى في تقدير الشرع.
2 -التدرج بعد ذلك بطريق التدلي - مع الطاقة - إلى قراءته في أقل من شهر، وذلك في خمس وعشرين، ثم في عشرين، ثم في خمس عشرة، ثم في عشر، ثم في سبع؛ كما دلت عليه إحدى روايات حديث عبدالله بن عمر - رضي الله عنهما - وفيها أنه سأل النبي ^ في كم يختم القرآن؟ قال: =في أربعين يومًا+ ثم قال: =في شهر+ ثم قال: =في عشرين+ ثم قال: =في خمس عشرة+ ثم قال: =في عشر+ [3] .
3 -أن يختمه في كل سبع ليال مرة، لقوله ^: =فاقرأه في سبع ولا تزد على ذلك+ [4] . ومعنى النهي: لا تقرؤه في أقل من سبع.
وهل هذا النهي للمنع؟ أم أنه لبيان الأولى؟ والأظهر الثاني؛ إذ قد جاء الإذن بقراءته في أقل من سبع؛ فعن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما
(1) انظر المغني لابن قدامة.
(2) انظر المدخل لأبي شهبة (ص 426) ، والمقدمات الأساسية في علوم القرآن للجديع (ص 479) .
(3) أخرجه أبو داود في أبواب قراءة القرآن وتحزيبه وترتيله، باب تحزيب القرآن (ص 1327) ح (1395) ، والترمذي في أبواب القراءات، باب في كم أقرأ القرآن (ص 1948) ح (2947) ، وقال: =حديث حسن غريب+، وأخرجه النسائي في فضائل القرآن، باب في كم يقرأ القرآن ح (93) (1/ 121) ، وقال الألباني: =صحيح، إلا قوله (لم ينزل من سبع) شاذ لمخالفته لقوله المتقدم =اقرأه في ثلاث+ [ضعيف سنن أبي داود (ص 136) ح (298) ] .
(4) أخرجه البخاري في الصوم، باب صوم يوم وإفطار يوم (ص 155) ح (1978) ، وفي كتاب فضائل القرآن، باب في كم يقرأ القرآن (ص 437) ح (5052، 5053، 5054) ، وأخرجه مسلم في الصيام، باب النهي عن صوم الدهر لمن تضرر به، أو فوت به حقًا (ص 864) ح (2730، 3732) .