وهذا مخالف لهذا الحرف المعاد بها. وإن حسب الخط كان الأمر أعظم اضطرابًا، فإنه يلزمه أن يجعل ذلك تارة حرفًا وتارة حرفين مختلفين، وهذا وإن كان هو الذي يتهجى فالنطق بخلافه.
=الثالث+ أن تقطيع حروف النطق من جنس تقطيع العروضيين، وأما حروف الخط فيخالف هذا من وجوه كثيرة، والناس في العادة إنما يتهجون الحروف مكتوبة لا منطوقة، وبينهما فرق عظيم.
=الرابع+ أن النطق بالحروف ينقسم إلى ترتيل وبغير ترتيل، ومقادير المدات والأصوات من القراء غير منضبطة، وقد يكون في أحد الحزبين من حروف المد أكثر مما في الآخر فلا يمكن مراعاة التسوية في النطق، ومراعاة مجرد الخط لا فائدة فيه؛ فإن ذلك لا يوجب تسوية زمان القراءة.
وإذا كان تحزيبه بالحروف إنما هو تقريب لا تحديد، كان ذلك من جنس تحزئته بالسور هو أيضًا تقريب، فإن بعض الأسباع قد يكون أكثر من بعض في الحروف، وفي ذلك من المصلحة العظيمة بقراءة الكلام المتصل بعضه ببعض، والافتتاح بما فتح الله به السورة، والاختتام بما ختم به، وتكميل المقصود من كل سورة ما ليس في ذلك التحزيب. وفيه أيضًا من زوال المفاسد الذي في ذلك التحزيب ما تقدم التنبيه على بعضها، فصار راجحًا بهذا الاعتبار.
ومن المعلوم أن طول العبادة وقصرها يتنوع بتنوع المصالح، فتستحب إطالة القيام تارة وتخفيفه أخرى في الفرض والنفل بحسب الوجوه الشرعية، من غير أن يكون المشروع هو التسوية بين مقادير ذلك في جميع الأيام فعلم أن التسوية في مقادير العبادات البدنية في الظاهر لا اعتبار به إذا قارنه مصلحة معتبرة، ولا يلزم من التساوي في القدر التساوي في الفضل؛ بل قد ثبت في الصحاح من غير وجه عن النبي ^ أن {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} تعدل ثلث القرآن [1] ، وثبت في الصحيح أن فاتحة الكتاب لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل، ولا في القرآن مثلها [2] ، وثبت في الصحيح أن آية الكرسي أعظم آية في القرآن [3] ، وأمثال ذلك.
فإذا قرأ القارئ في اليوم الأول البقرة، وآل عمران، والنساء
(1) أخرجه البخاري في كتاب فضائل القرآن، باب فضل (قل هو الله أحد) (ص 996) ح (5015) ، ومسلم في كتاب المسافرين، باب فضل قراءة (قل هو الله أحد) (ص 327) ح (811) .
(2) أخرجه الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي بن كعب، (5/ 114) ح (2133) ، والحاكم في المستدرك (2/ 383) .
(3) أخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين، باب فضل سورة الكهف وآية الكرسي (ص 327) ح (810) .