واستدعى ذلك الحجج النظرية والبطلان؛ فليس ذلك من موضوع علم الكلام ولا من جنس أنظار المتكلمين فاعلم ذلك لتميز به بين الفنين، فإنهما مختلطان عند المتأخرين في الوضع والتأليف والحق مغايرة كل منهما لصاحبه بالموضوع والمسائل، وإنما جاء الالتباس من اتحاد المطالب عند الاستدلال وصار احتجاج أهل الكلام كأنه إنشاء لطلب الاعتداد بالدليل وليس كذلك بل إنما هو ورد على الملحدين" (1) ، يؤيد هذا الرأي ما قاله شيخ الإسلام:"وهؤلاء المتكلمون المتأخرون الذين خلطوا الفلسفة بالكلام كثر اضطرابهم وشكوكهم وحيرتهم بحسب ما ازدادوا به من ظلمة هؤلاء المتفلسفة الذين خلطوا الفلسفة بالكلام فأولئك (2) قلت ظلمتهم بما دخلوا فيه من كلام أهل الملل وهؤلاء كثرت ظلمتهم بما دخلوا فيه من كلام أولئك المتفلسفة" (3) ، فاتضح أن الأصل في علم الكلام هو الرد على الشبه والمحدثات وليس البحث عن الدليل، ثم تأثر العلم بالفلسفة وصار أصحابه يبحثون عن الدليل ليعتقدوا ما هو صحيح، وإنما هذه هي طريقة الفلاسفة في الأصل وليست طريقة المتكلمين."
…وبعد بيان معنى علم الكلام عرفنا أنه يبحث عن العقائد الدينية الصحيحة بالطريقة العقلية والمسالك الفلسفية _ هذا على طريقة المتأخرين، وهي التي تعنينا في هذه الرسالة _ فقد كان موقف العلماء من علم الكلام مشابهًا لموقفهم من الفلسفة، وأسوق هنا جملة من مواقفهم: -
(1) - انظر: أبجد العلوم: 2 /111.
(2) متقدمي المتكلمين.
(3) منهاج السنة النبوية: 3 / 288